بالأمس تذكرت بشيء من الحنين ربطات العنق، هذا الشيء الذي منذ أن جلبه الجنود الكرواتيون إلى فرنسا، وإعجاب الفرنسيين بذلك الوشاح الملفوف حول العنق، وتبنيها كجزء من وسامة الرجل، وتسميتها «كرافات»، ستأخذ ربطة العنق أو كما تسمى في بعض القواميس الخَنّاقة، فيما بعد تلك الخصوصية التي ستمنحها لها خطوط الموضة، ومتطلبات رجال المجتمع المخملي، وستكون جزءاً من هيبة الوظيفة، واحترام الموظف، وفرضاً ملزماً، للدخول لبعض الأمكنة الراقية كالمطاعم والمسارح والحفلات، ستثور عليها مجتمعات مرة باعتبارها رمزاً للبرجوازية، ومرة لأنها تشير لرمز مخالف، لذا تمنعها هذه الأنظمة، وبعض الأنظمة كانت تتخذها بلون واحد مثل لونها الأحمر.
تعددت أشكالها وما أضيف لها من مناديل وإكسسوارات، فظهرت ربطة الفراشة للحفلات والرسميات الراقية، وابتكر الجنتلمان والرجال المتصابون ربطات من مناديل حريرية تلتف حول العنق، أما الأشكال والمواد المصنعة فكانت كثيرة ومتعددة.
طرأ لي هذا الحديث مع النفس، وأنا أعيد ترتيب خزانة ربطات العنق، حيث كنت في الفترات التي مضت من محبي اقتناء ربطات العنق، وأستطيع أن أقول: لي من كل مدينة في العالم ربطة على الأقل، ورغم أنني لم أعد بنفس الحماسة اليوم، إلا أن ربطة العنق ستظل من المغريات التي تجبرني على التوقف، والتوقف طويلاً أمام واجهات المحلات، بحيث لا أغادرها إلا وهي مربوطة، ملفوفة في كيسها الكرتوني المقوى، وتعد من أجمل الهدايا، وأصعبها في الاختيار، فأذواق الناس تجاهها متعاكسة، فكل شخص له نظرة فاحصة في ربطة العنق، فليس مثل ربطة السياسي فيها بذخ السذاجة، أما الأكثر التزاماً فهي ربطات الموسيقيين، الربطات ملوكها الفرنسيون والإيطاليون، وأولئك الذين بقوا مخلصين لمهنة حياكة ربطات العنق الحريرية، والمشغولة كلياً باليد، وموقعة، أما البريطانيون فمعظم ربطات العنق متشابهة، ومخططة أو كلها سادة، وألوانها داكنة، فتشعرك أنها صنعت لتأدية واجب، وكأنها كلها هدايا عيد الميلاد ومشتركة من محل واحد، رغم أن الربطات المشهورة والمتنوعة لربطة العنق تجدها عند الإنجليز، وتختلف عن ربطة الفرنسيين والإيطاليين، بينما الأميركي، فمتساهل في هذه الحكاية، بحيث يمكنك أن تكتشف أن ربطة العنق المحترمة، ملفوفة حول العنق بمطاط أو خيط بلاستيكي.
لقد تذكرت، وطافت بي الذاكرة، وأنا أسترجع حكاية كل ربطة عنق في خزانتي، كيف جاءتني، وممن، وما فعلت بيومي حينها؟، من أين اشتريت هذه، ولِمَ لبست تلك؟، وتلك سافرت معي بعيداً، وأخرى سافرت معي كثيراً، أي مناسبات تقاطرت على الرأس، وأي أناس، لحظات حلوة، ولا بأس من إراقة شيء من الأكل والشرب على تلك الربطة الحريرية الغالية، كعادة طفولية، لا تحب أن تفارقك في الكبر.
كانت لحظات، وكأنك تقلب ألبوم صور، لا تحبه أن ينتهي، بعضها وكأنك تراه للمرة الأولى، وبعضها محفور في الذاكرة، والبعض الآخر غبّشت عليه الأيام، لكنه مرسوم في قاع العين، ألوان ما زلت معجباً بها، مثل كلاسيكيات لا تفنى، وألوان كانت في وقتها، لكنها لا تتكرر اليوم، كألوان «فرساتشي أو كنزو» الجريئة، وألوان متجددة لأنها تعطي للبدلة الكحلية زهواً، وللسوداء الرسمية أبهة ملكية، وللرصاصية معنى الانعتاق من الملل، ربطات العنق تاريخ طويل مكتوب على الصدور.. ما أجمل صباح الأمس!.


