رقرق ماء النهر في ذاكرة وجودية نائية بهدوء جارف ما بين عجيج وهدير شفاف في مساره المتعرج يحمل أمتعته المنسية ويغادر في وداعة الأشواق، وبقايا وعد خصب، ومرامي من انتظار يداعب شيئاً من نتوءات خرساء وأعشاب مزجت بصخور وأحجار وأوتاد غرست في تربة رطبة، تستل ورد زنبق الماء وقطوف زاهرة، عطر رائحتها، كلما لامست النهر بدت زاهية حسنة المنظر.
كلما تُوغل على حافة النهر لا تحيد خطواته عن التواء مسارات النهر المتأنية الخطب، واندثار ما بد خلفه مرآة ساحرة للماء المتدفق تعكس عمقه وانسيابه وانحساره، بعض من شغف لمساحة جرداء لم تكتمل ظلت في ذاكرة النهر مبطنة بشيء من طيف انحسار مؤلم قلما ترى النهر يحتدم باليابسة إلا بفعل الرياح يخرج عن مساره بضعة أيام ثم تراه ساكناً راشداً.
ترى مسارات من خصب ممتلئ وعجرفة تسكنها بقايا أحذية امتلئت بماء خثر خضل وعشب، تلك أحذية مجهولة توقفت خطواتها منذ زمن بعيد ذات جلد مهترئ نحتت بين زوايا لتكتب نهايات واغتراب، طوقها حزن وفقد اكتساها، احتضرت أمام النهر الجارف بعد اعتذار أصحابها عن رفاق وجودي، وبغية احتماء مطلق تبددت باختصار زمني.
فتنة النهر طفولية الشقاوة وقدرة على صحو مبكر، وإعادة تدفقه يزهو بين أدغال الأرض صانعاً لعالمه مدى جاذباً، على نحوه تحلق طيور زاهية بألوانها وتغرد وتحل على أغصان الشجر متهيئة ليوم كأنه أعوام من الدهر الخالد.
لم يعد يُرى ذلك النهر، انتهت صداقة امتدّت لشهور يزوره بشكل يومي يجري حوارات متقنة معه، ويعاود الأسئلة عليه ويشتف الإجابات منه عصية على الفهم لأن الطبيعة لها قواميس ولغات مختلفة، ومنها إجابات على قدر الأحلام يبرز النهر بمجرات طيف وجودية.
بمجرد وداع مدينة بوسطن ظل يحدث النهر خياله يشاغب هدوء يختلج صفو الحياة، وجوه الأنهر لا تتشابه لها حكايات وفصول تتعاقب من صيف وشتاء وربيع وخريف، يظل النهر يعانق الحياة والذاكرة ويشهد جمالية الطبيعة.
حين ودعه وداعاً حاراً لم يتمكن من رؤيته كالمعتاد، أرى الثلوج تشكل منه لوحة من بياض، تنقش فصل الشتاء، تتوارى زرقة السماء فلا تهمس الطيور، تشغلها الوداعة، وتفاقم هطول الثلوج وتساوت ملامح النهر مع الطبيعة من حوله، وتجمد الماء وبدا شفافاً ناصعاً وجاءت نداءات يومية مرادفة من هيئة الأرصاد الجوية تقف حائلاً من وداع نهر ظل فتنة في ذاكرة تتوق للمشهد النهري.