وما بين النهرين تنمو شجرة الخُلد وتترعرع أعشاب الفرح الإنسان هو ذلك الحبل الممدود، ما بين غصني شجرة الحياة، فإن سقي الغصنان بماء المكرمات، نمت أحلام الشجرة، وتفرعت، وأثمرت، ومدت للمدى عنقاً، مداه السماوات العُلا، وجذره أرض تحضن، والدفء ملاءتها، والحب محارة سواحلها، والطموح لجة بحرها، والصمود في وجه عواقبها، موجة، بيضاء من غير سوء، تتدحرج على سفوح الماء، لتلون الحياة بفضة المعطى، وذهب المعاني. الإنسان عندما يكون على ضفة نهر العطاء، يكون غيمة ممطرة، وتكون السماء سقفه، والأرض بساطه المخملي، والنجمة مصباحه الذي يدله على الطريق السوي، والأحلام فراشات تماطل وعيه، لكي يستمر في النهل من رشفات وطن، اسمه يبلغ الأفق، ومنصاته، كواكب لم يكتشفها العقل البشري بعد. الإنسان، ذلك الأسطورة التاريخية، التي نسّقت مشاعرها، كما ينسق الطير نغمة، مرّت على خاطر نجمة الليل، الإنسان في بلد عرف أن الاهتمام بمصيره، هو مستقبل يأتي بزينة الفرح، وأبدية الحياة، وخلود النظرات، التي لا تخبئ بريقها، ولا تطفئ وميضاً، الإنسان في وعي الحضارة هو ذلك البيت الشعري الذي لم يلهج به لسان، ولم تفضِ دائرته المغلقة صرخة الميلاد، ميلاد حياة، وميلاد قصيدة، الأمر سيان، طالما جاءت القصيدة، من قوام نبل، وسبل اليقظة عندما فتحت القصيدة مآلاتها على عين، ورمش، وصارت العين عين ماء، والرمش جدول عطاء، وها هو الإنسان يكتب اسمه على سبورة الحياة، يلامس به سبر الجمال في نحر، وصبر، وما بين النهرين تنمو شجرة الخلد، وتترعرع أعشاب الفرح، في أتون، وغضون، وغصون، وفنون، وشجون، وشؤون، وسكون في حرف ضاد، ملأ القلب صداه، وهواه، ما هوى يوماً، وما استوى سوى حلم، ببياض السريرة، سرها كتاب، وأصلها خضاب يعجن لونه بلون الحياة، يمنحه عطراً وسطراً على صفحة الأيام، تتملكها أشواق، كشغف الطير إلى قطرة، أو نبرة، أو نظرة أو فطرة تعيد الإنسان لأصله، وفصله، وتفاصيل نشأته، وهو خالٍ من الرتوش، والنقوش، والخدوش، إنسان يعتني فقط بصفحة العقل، كي لا يعلق بها غبار، ولا سعار. اليوم في الإمارات يبدو الإنسان نغمة الطير المحلق عند هامات الشجر، وحلم زمان تتوارى فيه الأمم عدا وطن حباه الله بأحلى قلادات الزمن، بل صار قلادة، ذهبها من سبائك قيم. الإنسان في الإمارات، كتاب مفتوح على الوجود، لا يقرؤه إلا من به شوق، للحياة، وتوق لمستقبل أبهى من الموجة، وأصفى من عين غزال برية، الإنسان في الإمارات، خرج من الصحراء وفي داخله صحائف، وكتب التاريخ، يراعها من سكب المعطيات النزيهة، الإنسان في الإمارات غرد، فتفرد، وتجرد، وسدد، وحدد، ثم مدد، وصار لمده مداداً يشبه الدم الطاهر، صار لحلمه لون كلون الشمس، وتستمر القافلة عطاء ببذخ، ورفاهية المعطى، وجزالة النهل.


