رحل شكل المكان، وبقيت رؤى أدبية لا تُنسى، في فرعك الجميل المصان، وعمل ثقافي راقٍ تجلّى في أروقة مكانك القديم بالخالدية. شهد اتحاد الكتّاب منظومة عمل جميلة ومدهشة ويقظة تنبض بالتفاعل المجزي، ومدى ثقافياً كان يلوح في الأفق كمنارة مضاءة لا تنطفئ، وتضيء الساحة الثقافية بشعلة من الفكر والمعرفة. كان مدّها الرائع لا ينثني، يرصد الأحداث ويتماهى معها في آنِها، ويوثّقها بورش ثقافية جاذبة، متجاوزاً ضيق المكان بضياء لافت نحو مراحل قادمة.
جدير بك أن تبقى عالقاً في ذاكرة المدينة التاريخية الجميلة، وفي عقول روادك ومرتاديك، وهم يجسّدون رؤى وفضاءً لبناء ثقافي مثمر ينبض في قلب المدينة بالأفكار النيّرة، ويجسّر عملاً مشتركاً، فيما شكّلت قلعة الحصن والمجمع الثقافي شيئاً من نضج الحراك الثقافي والاجتماعي الذي التحم بريقه بالحياة اليومية.
وفي بدايات الألفية، ترك الفرع الجميل مكانه إلى مكان قريب بجانب البريد القديم، وأضاءت من جديد لوحة «فرع اتحاد الكتّاب»، ليبدأ المشهد بحلّة جديدة، زاخراً بالتفاصيل الثقافية الأسبوعية، وبرواد وحضور مثقف أخذ في الازدياد، كما لو أن للمكان إشراقة لا يغيّبها الزمن.
كان ثمة شواهد وحالات من النشاط الثقافي، وراءها عمل دؤوب من الناشطين والإعلاميين الذين تم تكريمهم، تقديراً لما قدّموه من إنجازات قيّمة.
تربّعت آنذاك على المشهد وفي الذاكرة بمنجزات الأمسيات المتوهجة بالعمل الاجتماعي والثقافي، وبمبادرات مؤسسية كانت أمسياتها شاهدة، على مرّ السنوات، على كثير من الزخم، وعلى بزوغ فجر إصدارات أدبية مهمة، وما رافقها من صدى تفاعلي. ولم يكن غريباً أن يشهد المكان تجاذب رواده وتنافرهم في شيء من الاختلاف المشبع بالفكر، وتماهي النقد القيّم بين تيارات ثقافية مختلفة ومتنوعة.
كلما التقيت مصادفة برواد اتحاد الكتّاب، فرع أبوظبي، نعود بالذاكرة إلى ذلك المشهد الثقافي، وإلى حالة التألق الفكري المكنون، واتساع رقعة الأنشطة، وحالة التشكّل اللافت بالحضور. لقد شكّلوا ظاهرة أدبية مفعمة بالوعي الثقافي في محطاتها الزمنية وأروقتها المختلفة.
وكان يلفت الانتباه حضورهم المتوهج، وخطاهم الواثقة المتئدة، وثقلهم الفكري، وكأنهم على وشك أن يقدّموا ما يدور في خلدهم من قراءات وكتابات، مفعمة بالورش والمحاضرات والنقاشات الأدبية العميقة.
كان فرع الاتحاد آنذاك بوابة مشرقة تفتح آفاقها أمام الأدباء والكتّاب العرب، ممن مرّروا من خلاله تجاربهم، إلى جانب أدباء الإمارات وكتّابها وشعرائها، الذين نشطوا بتجاربهم معاً، وهم في حضن مرحلة زمنية مهمة من أدب الإمارات. كان البيت الأجمل، بتاريخه المتوهج وشغفه المزدهر والمتميّز.