لا يمكن القول إلا أن الشارقة محظوظة بوجود سلطان، ذاك الذي خطّها بالحرف والنور والنون، صاغها قصيدة من درّ منثور، حتى تناغم العمران وأنسنة المكان وحضور الإنسان، زانها وزانت به، ولأنها مدينة تستحق كل شيء جميل، حباها الله بالإنسان الأجمل، كل يوم هناك شيء من فرح وبهجة هنا، وشيء من سعادة وتحد ونجاح هناك، الشارقة مشروع سلطان الثقافي الأجمل، لا يمكن أن تقرأ الأشياء فيها إلا متكاملة ومتجانسة، فإن بنى قناة كانت عليها قنطرة من شعر ونثر وموسيقى، وإن أسس جامعة، بطرازها العربي وزخرفها الإسلامي، كانت خلفها مدينة جامعية تزدان بالأصول والفروع من المعارف الإنسانية، لا يمكنك أن تدخل الشارقة ولا يستوقفك الجمال، ولا تقبض على يدك الدهشة، ولا تجعلك الفتنة تمر هكذا على عجل، في مدينة سلطان هناك شعاع من نور خفي، هناك طمأنينة تدثر النفوس، وهناك رضىً لا تعرف كيف يخلقه هذا الرجل في الصدور.
كنت أود قراءة ما حدث ويحدث في الشارقة، وكنت أود لو أعدد مبادرات ونفحات وهبات وعطايا وهدايا هذا الرجل الذي قُدّ من خير عميم، وخلق كريم، لكني أكثر من محب دنف، فكيف أنثر أقوالي في الشارقة أو أنضد حروفي في سلطانها؟!
كثيراً ما تأتينا الرياح بالأخبار الجميلة الباردة على القلب، والبشارات المحفزة لطاقة الروح في خضم ما يدور حول عالمنا العربي، وغياب البوصلات الحقيقية الموصلة للتنمية الشاملة، والنهوض بالإنسان، ودعم مقومات الهوية الوطنية له، وليس مثل اللغة تُعنى بالهوية وتمثلها، لأنها خندقنا الحضاري الأخير.
وما «المعجم التاريخي للغة العربية» الذي استمرّ العمل به طوال سبع سنوات متتالية، وشارك في إنجازه والعمل عليه أكثر من 300 عالم، وما يقارب من 200 من الباحثين والمدققين والمراجعين، والمختصين في مجامع اللغة العربية، سوى أمر كان دونه خرط القتاد، ولم يأت سهلاً طيعاً، فقد بذلت فيه الأموال والجهود، وحظي بالمتابعة والإشراف من لدن سموه الذي قام بتذليل كل العقوبات، ليظهر في حلة قشيبة تُسر الناظرين، وتفرح الدارسين، وتزين مكتبات العالم بمثل هذا الإرث الإنساني العظيم.
ولأن مكرمات سلطان الثقافة والمعرفة، والعمل الإنساني والفعل الحضاري، لا تتوقف، فبعد البشارة تتلوها بشارة أخرى، والطريق الحضاري والإنساني لا يتوقف عند محطة، لذا بشرنا بعمل معرفي موسوعي آخر جديد، وهو «الموسوعة العربية الشاملة»، وكما قال سموه: «المعجم التاريخي كان الجذور، والآن يجب أن نصل إلى الثمار بإنجاز الموسوعة العربية الشاملة»، والتي متوقع لها أن تصل إلى 500 مجلد، لتكون الوعاء الحاضن لكل ما يخص هذه اللغة الثرية الحيّة بروحها، العميقة في معانيها، الغنية في مفرداتها ودلالاتها، وبيان سحرها.
الإمارات كثيراً ودائماً ما تعد بالجديد، وتقدم المفيد، وترسي قواعد لأعمال الخير، ومشاريع المنفعة، ودروب المعرفة، فواجب الدول الصادقة والمخلصة لعروبتها وإسلامها وللإنسانية أن تقدم فعلاً حضارياً في مسيرتها، بعيداً عن لغو الحديث، وخطابات المزايدة، وهرف الكلمات المزيفة بشأن النهضة والاستدامة وخدمة الإنسان في ظل غياب روح الإنسان، ورفع قيمه الحضارية.. الحضارة فعل الكلمات، وكلمات الفعل، عدا ذاك هو قبض الريح!
أدام الله على سموه موفور الصحة، وكمال العافية، ورغيد العيش، وأجر المحسنين المتفانين، وبركة الولاة الصالحين، ونفعه ثواب ما قدم، وأجر نيات ما أخّر، ولا بكته عين يا رب.