منذ ثلاثة أيام وأنا أحاول جاهدةً أن أكتب مقالي هذا! أفتح أوراقي القديمة، وأقلب الأفكار التي تركتها جانباً؛ فكل شيء يبدو باهتاً. أين ذهب الفضول الذي كان يفور في رأسي تجاهها؟ لا شيء يستثيرني من كل أفكاري المؤجلة، وفجأة أصبحت لا تستحق أن تقال! أشعر وأنا أكتب هذه السطور أنني فقدت القدرة على الاهتمام.. أقول ذلك لأنني مريضة.
يؤلم المرض في لحظاته الثقيلة الجسد، ولكنه أيضاً يُحدث أشياء أكثر غرابة في الداخل؛ إذ يتسلل إلى مناطق نعتقد أنها بعيدة عنه، وغير قابلة للانتزاع. يفقدنا قدرتنا على الاختيار، وعلى التفكير والنقد، وعلى أن نرى في الأشياء الصغيرة معنىً يستحق الالتفات!
كدتُ أن أبلغكم اعتذاري، بأني لم أجد هذا الأسبوع ما يستحق أن أكتب عنه سوى مرضي؛ ولكني تذكرتُ مقالاً كتبته فرجينيا وولف بعنوان «في المرض»، أعتبره واحداً من أعمق التجليات الأدبية التي فككت هذه التجربة الإنسانية المنسية. تقول فيه: إن الأدب طالما احتفى بالمعارك والخراب الخارجي، لكنه تجاهل المعركة الصامتة التي يخوضها الجسد وحده.
ترى وولف أن المرض يغير علاقتنا بالزمن الذي يتباطأ، وباللغة التي تعجز عن التعبير عنه. ولكنه يضيف بُعداً جغرافياً جديداً للنظر إلى العالم، سواء من فتحة باب أو نافذة، أو تفاصيل سقف، وهي زوايا لا يلتفت إليها الأصحاء.
في مرضي مكثتُ في الزمن بلا أي حراك بعد أن كنتُ أحركه، ومع المرض فقدتُ رغبتي في اللغة. أما جغرافيتي فقد تحولت إلى غرفة مظلمة وسقف، وصوت مصعد لا يهدأ، وظلال ضوء خارج غرفتي، وصوت من بعيد تتمنى اقترابه وتخاف عليه من العدوى، وكوب ماء بجانب سريري تحيطه علب أدوية، و«كرتون» مناديل ورقية تحتضر!
منعني المرض من كتابة المقال الذي كنت أريده، لكنه أجبرني على كتابة المقال الذي لم أكن أعرف أنني أملكه؛ وبالتأكيد هذا أفضل من أن أفتعل فكرة لا أملك طاقتها.
تولد الكتابة عادة من وفرة العافية وصفاء الذهن، ولكنها قد تتسلل بصدق من شقوق الضعف البشري، عندما يظهر على حقيقته في غرفة ضيقة، ونافذة صغيرة تطل على ما هو أعمق وأبقى.. هشاشتنا الإنسانية المشتركة.