الجميع يتذكر تلك اليد التي قادته نحو تلك البوابة المعرفية، في إشراقة يوم استثنائي لن يتكرر أبداً؛ لأن لدورة الزمن حكمتها وقولها، لكن سيظل اليوم الأول في المدرسة أكثر من مجرد تاريخ عابر في التقويم؛ إنه لحظة فاصلة تتجدد فيها الآمال كل عام، وتنبض فيها أروقة المدارس بالبراعم والرؤوس الصغيرة وبايقاع الحياة بعد صمت الاجازة وإغلاق الأبواب على الفصول، وعلى ذلك الضجيج المزعج الحلو في المدرسة.
 هو يوم استثنائي يمتزج فيه الشغف بالرهبة بالكسل، وبقليل من الامتعاض المعتاد بعد كل إجازة صيف، يوم تتقاطع فيه مشاعر الأهل مع تطلعات الأبناء، ومع كسلهم اللذيذ، وتململهم حين حَزّة مفارقة هواتفهم وألواحهم الإلكترونية التي أصبحت أكثر من صحبة صديق، في اليوم الأول للعودة للمدارس تتشكل لوحة إنسانية متشابهة في كل بقاع الدنيا، تتساوى فيها العائلات الملكية مع العائلات البسيطة الكادحة، فلحضور العلم هيبة، وللمعرفة جلال ورفعة.
مع بزوغ فجر أول يوم مدرسي، يكون المنزل هادئاً حتى تستيقظ الأم، ويستيقظ معها كل الأشياء، تبدأ الحركة تدبّ في المنازل بشكل مختلف؛ يغيب النوم المتأخر، وقفل الأبواب إلى الضحى العود، والفطور المتأخر قرابة الحادية عشرة، يحضر منبه الساعة، والزي المدرسي الجديد، والحقائب المجهزة بعناية، و«اللنش بوكس» والوجوه التي تحمل مزيجاً من الفضول والخجل والكسل والضجر، كلها تفاصيل ترسم ملامح بداية رحلة أول يوم باتجاه المعرفة والدفاتر والكتب الجديدة، ووجوه مدرسين ومدرسات وزملاء قديمة وجديدة.
 داخل أسوار المدارس، يتحول المشهد إلى خلية نحل عاملة فاعلة، المعلمون الذين يمثلون حجر الزاوية في هذه العملية التربوية والتعليمية يستقبلون الطلبة بابتسامات مشجعة، وحزم بادٍ، مدركين تماماً أن دورهم يتجاوز نقل المعلومات وحفظ النصوص، وحلّ المسائل الحسابية المعقدة إلى غرس القيم، ومعاني الأخلاق، وتنمية التفكير النقدي، بالسؤال قبل الجواب، وخلق تلك العلاقة التي قد تمتد إلى آخر مراحل العمر بين المعلم والمتعلم أو بيت التلميذ والمُربي.
إن أهمية اليوم المدرسي الأول لا تكمن فقط في التعارف واستئناف الدروس، بل في كونها فرصة لإعادة ضبط بوصلة النفس والوقت، ووضع العربات أمام أحصنة مندفعة إلى الأمام، حيث يضع فيه الطالب أهدافاً جديدة وتطلعات مخبوءة، ومواهب قد تكون مدفونة، ويقرر فيه أن يكون نسخة أفضل من نفسه، ومقارباً للمثال الذي في رأسه؛ من رجالات التاريخ وفرسانه أو ممن رآهم في منعطفات في حياته، إنه يوم يدرك فيه الجميع طلبة ومعلمون وأولياء أمور، وحكومات أن التعليم هو أسمى استثمار إنساني لبناء الحضارات واستمرارها، وهو أجلّ ما يقدمه الفرد لنفسه وللمجتمع، وأسمى ما تقدم الأوطان لمواطنيها.