هناك مَن يرى حفظ التراث في الكتب والمتاحف فقط، ونحن في الإمارات لم نكتفِ بحفظه فيهما فحسب، وإنما نجحنا وبامتياز في جعل تراثنا يمشي بين الناس، ويتحدث إلى الأجيال الجديدة، ويجد مكانه في تفاصيل الحياة.
من هنا يمكن قراءة معرض أبوظبي الدولي للصيد والفروسية، الذي يعود هذا العام في دورته الثالثة والعشرين، أكبر حضوراً واتساعاً، وأكثر انفتاحاً على العالم، من دون أن يفقد بوصلته الأولى: الإنسان الإماراتي الذي يعرف قيمة ما ورثه، ويدرك أن صون التراث لا يكون بالالتفات إلى الخلف، وإنما بالنظر إلى الأمام وهو يحمل إرث الأجداد معه.
وتأتي رعاية واهتمام سمو الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان، ممثل الحاكم في منطقة الظفرة، رئيس نادي صقاري الإمارات، لتؤكد أن هذا المعرض ليس فعالية موسمية عابرة، بل مشروع ثقافي وتراثي تتراكم إنجازاته عاماً بعد عام. وقد أصبح اليوم واحداً من أبرز المنصات العالمية التي تلتقي فيها الصقارة والفروسية والتراث والثقافة والابتكار، ويجتمع فيها أبناء الإمارات مع مشاركين من مختلف دول العالم.
وأجمل ما في الدورة الحالية أن شعارها «تراثنا عزّنا وفخرنا» لا يبدو عنواناً معلّقاً على واجهات المعرض، وإنما يتحول إلى تجربة حية في أروقته. خمسة عشر قطاعاً، وأكثر من أربعين فعالية، ومجالات تمتد من الصقارة والإبل والفروسية إلى التخييم والرحلات البرية والفنون والحرف وحماية البيئة، كلها تقدم صورة لتراث لم يتوقف عند حدود الأمس.
والأهم من ذلك كله، أن الأطفال حاضرون في قلب المشهد. هناك يتعلمون السنع والضيافة، ويتعرفون إلى الصقور والخيل، ويصنعون بأيديهم أعمالاً مستوحاة من البيئة والتراث. وقد تبدو هذه التفاصيل صغيرة في ظاهرها، لكنها في الحقيقة تصنع الفرق الكبير، لأن الطفل الذي يلمس التراث ويحكي عنه غداً، سيكون أكثر قدرة على حمله من طفل لا يعرف عنه إلا اسماً في كتاب.
ونجاح معرض أبوظبي الدولي للصيد والفروسية لا يقاس فقط باتساع مساحته، أو عدد العارضين، أو الحضور الدولي الذي يستقطبه، وإنما بقدرته على تحقيق المعادلة الأصعب: أن يحافظ على روح الماضي، فيما يستخدم أدوات المستقبل وتقنيات العصر.
وفي عصرنا الراهن حيث تتسارع حركة العالم وتتغير الأشياء بسرعة، تظهر الإمارات أكثر تمسكاً بفكرة بسيطة وعميقة في آن واحد: أن من يعرف قيمة جذوره، يستطيع مدّ أغصانه أبعد. لهذا يظل الشعار في مكانه الصحيح: تراثنا عزّنا وفخرنا. والفخر هنا ليس أن نرث تراثاً عظيماً فحسب، وإنما أن نكون جديرين بحمله إلى مَن سيأتي بعدنا.


