بعد الإجراءات التنظيمية التي اتخذت بخصوص الاتصالات الهاتفية الترويجية المزعجة يبدو أن المساحة ضاقت أمام المتصلين، ولكن يبدو أن بعض المعلنين لم يستسلموا بسهولة، فأصبحوا يبحثون عن طريق آخر للوصول إلى الناس، ولو من باب مختلف. وهذا تحديداً ما بدأ يبرز عبر المنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي.
إعلانات براقة، وعروض مغرية، ووعود تستوقف المستخدم وتدعوه إلى التسجيل أو ترك بياناته. وما إن يفعل ذلك حتى تبدأ الاتصالات والرسائل بالتدفق، من هذه الجهة وتلك، وكأن مجرد تسجيل البيانات يمنح عشرات الجهات حق اقتحام هاتف الشخص ووقته وخصوصيته.
لا نتحدث عن إعلان رقمي عادي، وإنما عن أسلوب يعيد المشكلة القديمة نفسها بوسيلة جديدة. فبعد أن بذلت دوائر التنمية الاقتصادية وهيئة تنظيم الاتصالات والفضاء الرقمي جهوداً واضحة لتنظيم الترويج الهاتفي والحد من الاتصالات المزعجة، يبدو أن البعض يحاول الالتفاف على هذه الضوابط عبر بوابة رقمية.
المطلوب اليوم ألا تقتصر المعالجة على المكالمة الهاتفية باعتبارها وسيلة للترويج، وإنما تمتد إلى الطريقة التي يتم بها جمع بيانات الأفراد واستخدامها لاحقاً في الاتصالات التسويقية. فالمستخدم الذي يضغط على إعلان أو يسجل اهتمامه بخدمة معينة لا ينبغي أن يجد نفسه، بعد دقائق، هدفاً لسيل من الاتصالات التي لم يطلبها.
وهنا تبرز أهمية التنسيق بين الجهات المختصة والمنصات الرقمية الكبرى، لضبط الإعلانات التي تستخدم كمدخل لجمع بيانات الأفراد بغرض تسويق خدمات لم يطلبوها، وإيجاد آليات أكثر فاعلية لوقف هذه الممارسات قبل أن تتحوّل إلى ظاهرة جديدة.
خاصة أن هذه الإعلانات الرقمية وبالذات للمكاتب الوسيطة والسماسرة أصبحت تستخدم أسماء شركات وطنية ناجحة كبيرة، وتضع صور قياداتها لجذب اهتمام الجمهور بطريقة مضللة. الالتزام بالقانون لا ينبغي أن يكون مرتبطاً بوسيلة معينة، ولا يجوز أن يتحول الترويج من الهاتف للمنصة الرقمية إلى وسيلة للالتفاف على التنظيم. كما أن بعض المتصلين التابعين لمكاتب السماسرة والوسطاء يتبعون أساليب مستفزة عندما يرفض متلقي الاتصال التفاعل معهم.
التسويق الناجح هو الذي يقنع المستهلك، لا الذي يطارده. ومن لا يستطيع أن يجذب اهتمام الناس بجودة منتجه أو خدمته، فلن تنقذه كثرة الاتصالات، ولن يمنحه الفضاء الرقمي رخصة لإزعاجهم.
انتهى زمن «المكالمة المزعجة» إلى حد كبير، ولا نريد أن نستبدل بها «إزعاجاً رقمياً» أكثر اتساعاً. لا نريد إغلاق باب «الإزعاج الهاتفي» لنجد أنفسنا أمام باب أوسع اسمه «الإزعاج الرقمي».. فالقانون قد يغلق الطريق، لكن الحيلة تبحث دائماً عن ممر، والمطلوب ألا نترك لها ممراً!