معرض الكتاب يهم للوصول إلى ذاكرة أجيال عرفت هذا المحفل من خلال لقاءات أزهرت بثقافة العالم من أجل العالم. اليوم ونحن نستقبل معرضنا، وبيتنا الذي يفيض بالكتاب، وما جاشت به الكلمات سردياً معرفياً، وحديثاً مع الذات، لعلها تكون في الجملة الأخيرة قبل وضع الكتاب في رف، لا يبعد عن العين، ويقترب من القلب. في المعرض نشاهد عوالم، ونرى وجوهاً، ونستقبل ابتسامات، ونكسب صداقات، وتعمر قلوبنا بالفرحة، عندما نقرأ عنواناً يشير بالبنان إلى أن بين الوريقات البيضاء تكمن الثيمة، هناك حيث تزدهر شجرة الحلم بمعانٍ ودلالات. هناك حيث تسمق العبارة بمهارة، وتتفرع الذاكرة بين ماضٍ مثل مرآة صافية، وحاضر يتخلق جنيناً في أحشاء المكان، وهكذا نجول بين الحقول، ونمضي فرادى كالصقور نحلق هنا، ونحط هناك، وفي الأحوال تبدو الكلمة حاضرة، والصورة واضحة، والمشهد جلياً، يحتفل بوجوه جاءت لكي تمارس وعيها كما هي الآلام اللذيذة التي تفتح مداها للنبوغ، وتعمل على تحريض الذات من أجل عالم يجدد العهد بأن تستمر القافلة معطاء سخية، تفيض بمنجزات، وما الكتاب إلا ورقة ذات قدسية تحفظ ودها مع الكلمة الأولى في القداسة (اقرأ)، وهي السرد، وفي الفطرة جاءت محملة بالمعاني والشجون. جاءت مكثفة بالمغزى والشؤون.
واليوم، والعالم يشهد تحديات متباينة، يبقى الكتاب هو المنجز، هو فاتحة القصيدة، ومقدمة البوح، الكتاب المرحلة ما قبل وما بعد، معرفة أولى للمجهول. في المعرفة نتعرف على أنفسنا، ونحملها على كفوف، وكتوف، نحملها بسرور، وفرحة غامرة، تملأ القلب، تحيي الوجدان، لأن للكتاب رائحة الشجرة التي جاءت منها وريقاته، ولأن الكتاب سحر الهيبة، وهو يصطف، يقول للناس أجمعين هنا تكمن الروح، لإنسان أحب الكلمة، وعشق القافية فمرت على رموشه مثل فراشة تغسل وريقات زهرة برية.
هنا الكتاب، وهنا إنسان من ذلك الجيل، أو هذا، لا يهم إنما المهم أنه قارئ للتفاصيل، متحرٍّ للمعنى، مقتفٍ أثر كلمات لها في القلب ما يعنيه، وما يهبه لغة الضاد، وكبرياءها، وشيمها، وقيمها. سيمفونية أزلية تزهر على حروفها، وترنيمة الطير تحرك سواكنها، ونسمة من هبوب البحر تمتزج بعرق غواص صال هنا، وجال هناك، وبقيت الكلمة تحفظ ضادها، وتستمر في الغناء، لأن البحر لم يزل يغني، وسيغني للناس أجمعين. ولا جفاف، ولا جفاء، إلا في قلوب الغارقين في مستنقع الأنا. قادمٌ الكتاب بقوة الكلمة، ودفئها، وأشواقها، قادم بلونها الأبيض، وفخرها، وأيامه حبلى بالمعرفة والفيض، وروض الحقول، وبوح السهول، وما دامت العيون في مثل الشهب فإن الكتاب رقية، وكنز، وحدب، وصوب.


