الكلمة الصغيرة، البسيطة التي تشبه لسان عصفور، تلك التي تجعلنا بخفة غيمة مسافرة، تلك التي تشبه كثيراً طائراً ملوناً.. وتشبه أكثر رائحة من نحب، موجعة إن بقيت حبيسة الصدر، ونسيناها في التجاويف، ويبدو ذاك النهار صعباً بدونها، ذات مرة غابت في صباحات كانت تتقاسمها مدن مختلفة، لم يكن هناك من يقول حينها لك: صباح الخير.. صباح الحب أيها الدرويش الذي يحب الإنسان كأكبر قيمة، ويحب الأوطان تلك التي تشبه ستر الأمهات!
- مرة.. في المقهى الفرنسي وحديقته الصغيرة، بكراسيها التي تخبئ بقايا من ندى الفجر، فتاة تتثاءب بدمع بارد، ومحاسب بجفون منتفخة متوثباً بشكل مبكر لغلة اليوم، ورائحة الخبز التي تشبه عطر الريف، والقهوة تعطي للمكان دفئها، وحدك مبكراً هذا الصباح الذي لن يقول لك أحد فيه: صباح الحب أيها النبيل!
- مرة.. في المطار، وبالتحديد في إحدى قاعات المغادرة الباردة، كنت مغادراً دونما رجعة، تعانق الصمت وخواء الصدر، وجهتك جزيرة في المتوسط، لا يُضجر الصباح إلا رجل فيه بقايا من سكرة الليل، وذاك الرعب الذي يخلقه علو الطائرات، كان يشبه الكاتب «غونتر غراس» في شيخوخته، بغليونه الذي يحرق شاربه، في ذاك الصباح لم يكن هناك أحد ليقول لك: صباح الحب أيها المسافر في الوجوه!
- مرة.. في صباح فندقي، تفتح الستائر مستقبلاً أول شعاع الشمس المبهر بدفئه الذي يرعد البدن بقشعريرة لذيذة، فيجرك الضوء مستدركاً عذابات ليل كان طويلاً، وصريخاً كان يفزع الجدران الملونة، ونواح غيرة ترسلها نساء حاقدات من الحب، تجلس في الشرفة البحرية تراقب الحبر الأزرق لتكتب على ورق أبيض «L’air du Temps» وقصة واحدة لا تريد أن تقول لك: صباح الحب أيها السابح في ملكوت الرب، لا تحمل حقداً ولا بخساً ولا رهقاً!
- مرة.. في صباح فيينا الذي يشبه خد صبية نحبها، يوم يبغضه الذين قست قلوبهم، تستيقظ قبل المدينة، وقبل أن يبل بائع الورد زهوره، وقبل أن تستقبل صاحبة المخبز أول زبائنها الجائعين، وقبل أن يأوي آخر مخموري المدينة لمأواه، وقبل أن يغبش ذلك السمسار نحو أسمنت العقارات وطابوق الوهم، وحتى قبل كل العجائز اللاتي نومهن متقطع، وتبرجهن في الرابعة صباحاً لعشاق إما ماتوا، وإما شاخوا على مقاعدهم، يفرحن بيوم مشمس على كراسي الحديقة العامة، بكرت قبل الكل لتسند زهرة توليب تسكن شرفة، صاحبتها غائبة، ولن تقول لك: صباح الحب أيها المغادر صهوة الوقت، السارج متن الريح!
- مرة.. كنتَ مطارداً بكلمات شرف الرجال، وبزهو العروبة وبقيم الإنسان الذي لم يعرف الرجس ولا إثم الدم، كنتَ في قرية جبلية لبنانية، كنت تعشق مدينتك، ولا يساويها في الحب إلا امرأة واحدة لا تتعب من الحب لبكرها، كنت تعشق الأولين وصبرهم وكلمتهم التي تقلط على الشارب واللحية، كنت يومها بريئاً باتجاه تلك القرية الجبلية، لكن لم يكن هناك من يقول لك: صباح الحب أيها الطائر الحُر!
- مرة.. كنت تحمل هدايا اليوم الجميل، فرحاً بحب جديد، وعيد سعيد، ذهبت تطرق باب من كنت تعدها غالية، فوجدت الباب من حديد، وقفله نحاس، وقدامه رماح وحراب وعبيد.. كنت تريد فقط أن تقول لها: صباح الخير.. صباح الأوركيد الأصفر.. صباح الحب، صباح عهد جديد!
- لكن مرة.. قبل عشرين عاماً، وعام يزيد، طرقت صباحك فراشة ملونة، لها رائحة الفجر، وفضل ركعة الوتر، كانت تختض ببراءة عشرين العمر، وحدها من كانت تأتي وتترك شيئاً منها، ومن عطرها فيك، وحدها من تقول عيناها: الكذب يعميني! وحدها من لوّنت الصباحات والمساءات، وقالت: الحمد لله تكفيني.. وأنت تاجي وتكفيني!