أيام كان السفر البسيط نغامر باتجاه مرافئ ومطارات متسلحين فقط بـ«ترافلرز شيك» أو كانت الثقة تسيّرنا حينما كنا نستلم التحويلة بـ«جتّي» في البلد القاصدينه من دكان آسيوي يبيع وزره ودهن عود أو كيف كان الألف دولار يلاعبنا أسبوعين كاملين، ويطوف منه، تلك السفرات الأولى العفوية شغل اعقلها وتوكل، الآن حين نتذكر لحظاتها ربما نتأسف، وربما نتفكر كيف صارت الدنيا، وانعدمت الأشياء الإنسانية في التعامل بين الناس وفي الأمكنة، فلندن غير لندن، وباريس غير باريس، حتى صرت لا تأمن على حالك ومالك وأصغر أشيائك مثل هاتفك أو ساعتك التقليد.
أتذكر أشياء كنت فعلتها في سابق وقتي، ولا أجسر على عملها اليوم لأنني يمكن أن أتعرض لسوء الفهم والظن، مثل أن تغفّ شنطة سائحة جالسة بجوارك لأنك كنت تراقب ذلك العدّاء المقبل، ونيته المبيتة لخطفها والانطلاق بها في سباق التتابع مع زملائه الموزعين في ذلك الشارع الباريسي الطويل، اليوم يمكن السائحة التي «فاجّة نطعها» ومبسوطة «بالفنيير» ستتهمك بدلاً من أن تشكرك، ويمكن تحسبك واحداً منهم.
كانت أيام الطيبة، كنت فيها أتبرع بتقديم الفكة ممن يطلبها ولا يجدها في صندوق المحل الذي أكون موجوداً فيه بالصدفة، وأحياناً أقف لسماع موسيقّي يعزف في محطة القطار، ولا يتنبه له الكثيرون أو يمرون مسرعين من أمامه، ولا أنسى أن أنقده بعض المال مع تصفيقة خفيفة أو إيماءة من الرأس تدل على الامتنان أو أجالس بعضاً من كبار السن والمتقاعدين من شمال أفريقيا ممن شاركوا في حروب فرنسا خارج مياهها الإقليمية أو أجلس أنصت لحديث العجائز «اليمينيات»، وهن يكلنَ السباب والشتائم على المهاجرين، حتى أحياناً أسمع شتائمهن تكاد أن تصل إلى كرسيّ الجالس عليه مع أنيسي الكتاب أو الصحيفة.
كان من الفرح أن أقدم تذكرة الـ«مترو» برحابة صدر إلى امرأة أفريقية مرتبكة بوزنها وأثوابها الملونة، وعمامة رأسها، ولكنتها الأفريقية التي تشبه بهاراتهم الساخنة النافذة أو أخفف عن حاجّة مغاربية بثيابها البيضاء، ولثام الستر على وجهها، والخوف من الأشياء التي لم تعتدها، أحس وكأنها دائماً مثل الأم التي تبحث عن ولدها الغائب الوحيد، والذي لا تعرف عنوانه، فأشفق عليها وأساعدها للوصول إلى مبتغاها. كنت أفعل كل تلك الأمور بشيء من الحبور والفرح معتبراً إياها جزءاً من تفاصيل أعشقها من وفي الشارع، لكن هناك جبروت للزمن الجديد كيف قدر أن يسرق منك فضول وبساطة الماضي، وكيف يعمل على تخشبك، ويزيد من تربصك، وشكك في الأشياء والناس، وأنك لم تعد ذلك الإنسان الآخر الذي ربما لا تعرفه اليوم، والذي تفرح إن عرفته وشاهدته صدفة في شوارع المدن مرتدياً البساطة!


