عندما أقرأ عن «نظرية الضفدع»، و«نظرية الفيل»، و«نظرية حصان طروادة»، و«تأثير الفراشة»، و«نظرية القرد اللامتناهي»، و«عقلية القطيع»، و«قطة شرودنغر»، وتجربة «كلاب بافلوف»، و«فئران المتاهة»، و«نظرية الثعلب والقنفذ»، أجدها كلها نظرياتٍ وتجاربَ وإسقاطاتٍ وضعها علماء النفس أو الاجتماع بناءً على تحليلاتهم واستنتاجاتهم المرتبطة بمواقفَ أو قيمٍ معينة.
وأودّ أن أضيف إلى ذلك نظرياتٍ تعامل معها مجتمع الإمارات من خلال موروثه العريق وسياقاته المتعددة، فأقترح «نظرية العنز» (أو الماعز) واستخدامات هذا المصطلح في السياقات الشعبية والاجتماعية العربية للإشارة إلى مفاهيم وتفسيرات دقيقة في ارتباطها بالحدث. ومثال ذلك المثل الشعبي: «والرهوة على العنز المربوطة»، الذي يفسّره الكاتب سلطان الظاهري بقوله: «يرها عليك، يستضعفك ويقدر عليك... والراهي: المقتدر، ورهاي: فائض ومكتمل». والقصد من هذه النظرية توضيح التعامل عندما يُستضعَف المرء لقلة معرفته، وعدم مقدرته على الرد أو الدفاع عن نفسه، فالمربوط مقيّدٌ محدد الحركة لا يستطيع الهرب. وفي هذا السياق، يمكن استخدام المصطلح اجتماعياً وإدارياً كما هو الحال في النظريات المذكورة آنفاً. ولا ننسى أن «العنز» حيوانٌ قادرٌ على التأقلم، إلا أنه لا يتحمل البرد، ولا يمانع الصيف، فقد كان يأكل «النفيعة» من «يح» وبطيخ معنا. كما أقترح «نظرية البعير»، ذلك الذي لا ينسى حتى أدقَّ التفاصيل، و«نظرية الكبش النطاح» الذي ينطح أو يطارد من يريد بلا أسبابٍ تُذكر، أو «نظرية الهامور»، تلك السمكة التي «تلبط» وتتحرك خياشيمها وزعانفها حباً في الحياة وحتى الرمق الأخير، وهو الذي قال لأمه: «لا تصيحين عليِّه لين تشوفين عظامي على الصنّية». نعم، من واقعنا هناك نظرياتٌ وأمثلةٌ يجب علينا وضعها في إطار المعارف المتقدمة واستخدامها في محاضراتنا، فهي جزءٌ لا يتجزأ من الموروث والبيئة التي احتضنت الأجداد والآباء وأجيال المستقبل.
للعارفين أقول: كتبتُ عن «العنز» كثيراً، فهي من الحيوانات التي تعجبني شخصيتها، ومن صفاتها أنها ذكيةٌ ولديها حبُّ استطلاعٍ إلى درجة أن إحداها أكلت كتاب الحساب للصف الثالث الابتدائي! وتستطيع التكيف في البيئات المختلفة التي لا تتحملها الحيوانات الأخرى، لاسيما تلك التي تعاني من التصحر والحرارة المرتفعة، ويشحُّ بها الماء والغذاء. كما أنها قادرةٌ على التسلق والاتزان، فهي ترقى الجبال وتتسلق الأشجار برشاقةٍ لتنتقي ما تأكله من نباتاتٍ وأوراقٍ وأعشاب. وتعيش «العنز» في جماعاتٍ وفق نظامٍ وتفاهمٍ معتمدٍ بين منتسبيها، وما يعجبني فيها أكثر هو قوة شخصيتها، فهي أحياناً عنيدةٌ وصعبة الانقياد.