أعود باستمرار لكتاب «عبودية الكراكيب» وكتاب «سحر الترتيب»، وذلك على الرغم من كوني شخصاً فوضوياً؛ تحيط بي في غرفتي أشياء كثيرة لا علاقة لها ببعضها بعضاً، ولكني أستمد طاقتي من فترة إلى أخرى في ترتيب أشيائي من هذه القراءات. ومؤخراً طلبت من أمي ترك كل أشيائي الموجودة في منزلنا القديم، فطالما لم أطلبها منذ سنوات فهذا يعني أنني لن أحتاجها مطلقاً. وهذه إحدى نصائح الكاتبة كارين كينجستون للتخلص من الكراكيب!
وصلت أمي إلى بيتها الجديد محمّلةً بصناديق تخصني، فحدث جدال بيننا بسبب ذلك. في النهاية طلبت منها أن ترميها؛ فقالت لي: هذه أشياؤكِ.. تخلصي منها بطريقتك. تحاملت على نفسي، وأحضرتُ كيساً كبيراً فارغاً، لأجمع فيه ذلك الفائض الذي اعتقدت أنه يثقل المكان بغباره؛ ولكنني ما إن بدأت بفرز المحتويات وجدتُ نفسي في مواجهة نفسي!
قصاصات مقالات في صفحة «رأي الناس» بـ «صحيفة الاتحاد» التي كنت أراسلها عندما كنت طالبة جامعية، أختبر فيها علاقتي بالكلمة والرأي. وعددٌ من مجلة -تابعة لمؤسسة أخرى- يعود لعقدين، فيه مقابلة صحفية معي لفوزي بجائزة تريم الصحفية تحتفي بتفوقي. ومقالاتٌ كنت أكتبها في الشأن النسائي باسم مستعار في صفحة متخصصة، اكتشفت فيها صوتاً آخر لي. وصفحاتٌ كاملة لتقارير جادة لقسم الدراسات السياسية في الجريدة.
وشهادات إنجاز دورات لا أذكر أني أخذتها أساساً. وزوايا ساخرة كنت أكتبها باسم «أم صويلح» في الملحق الرياضي. وتكريمٌ لطيف من القسم الرياضي لجهودي في الملحق الخاص لخليجي 17. عمود صحفي دافئ خطت سطوره أستاذتنا عائشة سلطان في «صحيفة البيان» عن كتابي الأول، فكانت بمثابة كلمة طيبة عززت ثقتي بمسيرتي. بدت كل تلك القصاصات والشهادات باهتة؛ لكن داخلي بدا مشعاً بنور أضاء لي ذكرى تفاصيل امرأة كنتها يوماً!
تذكرتُ وأنا في خضمِّ ذلك، الترندَ الشهيرَ المنتشرَ (Meet Your Younger Self)؛ الذي يصنعه بعضُهم لأنفسهم بالذكاء الاصطناعي، حيث يقابلون فيه نسختَهم الشابةَ ويتبادلون معها نظراتِ الدهشة والأسئلة. وكم وددتُ لو أهديتُ نفسي مقطع فيديو كهذا في عيد ميلادي، غير أنَّ للأقدارِ حسابات أخرى؛ فقد أهدتني أمي صندوقاً تقابلت فيه امرأتان، إحداهما كانت حالمةً والأخرى ناضجةً وما زالت تحلم. صندوقاً استعدتُ بسببه امرأةً لم تنتهِ حكايتها بعد. فكلُّ عام يا «نفسي» وأنتِ بألفِ خير.