مريم بوخطامين (أبوظبي)
في خطوة تعكس التحولات المتسارعة في عالم التكنولوجيا، أعلنت جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي عن إطلاق برنامج الدكتوراه في التفاعل بين الإنسان والحاسوب، في توقيت يُعد مفصلياً في مسيرة الذكاء الاصطناعي عالمياً.
وأكدت إليزابيث تشرشل، أستاذة ورئيسة قسم التفاعل بين الإنسان والحاسوب في الجامعة، أن العالم يشهد تحولاً نوعيًا يتمثّل في انتقال الذكاء الاصطناعي من كونه تقنية تعمل في الخلفية إلى كونه شريكاً حاضراً في تفاصيل الحياة اليومية، عبر أنظمة تفاعلية ومحادِثة ومندمجة في مختلف القطاعات.
وأوضحت تشرشل أن إطلاق البرنامج في هذا التوقيت يتيح للجامعة الإسهام الفعّال في توجيه مسار هذا التحول، من خلال التركيز على كيفية تعايش الإنسان والأنظمة الذكية ضمن بيئة واحدة. وأشارت إلى أن الهدف لا يقتصر على تطوير تقنيات متقدمة، بل يتجاوز ذلك إلى ضمان أن يسهم الذكاء الاصطناعي في دعم القدرات البشرية وتعزيز الرفاه وتوسيع الفرص، بدلاً من التركيز على التكنولوجيا بوصفها غاية بحد ذاتها.

الإنسان في صميم التطوير
ونوهت إلى أن البرنامج يرتكز على نهج علمي يضع الإنسان في مركز عملية الابتكار، حيث يبدأ بفهم احتياجات الأفراد وسلوكياتهم قبل تصميم الأنظمة التقنية. ويتلقى الطلبة تدريباً متخصصاً في تصميم أنظمة ذكاء اصطناعي تتمحور حول الإنسان، تتسم بسهولة الاستخدام، والقدرة على التكيّف، والتفاعل الطبيعي مع مختلف السياقات الاجتماعية والثقافية، مشيرة إلى أن هذا التوجه في تطوير أنظمة لا تقتصر على كونها قابلة للاستخدام، بل تكون مفيدة وذات أثر حقيقي في الحياة اليومية، خصوصاً في مجالات مثل الرعاية الصحية، والتعليم، والخدمات الحكومية، والصناعات الإبداعية.
مجالات بحثية متعددة التخصصات
وبيّنت أن البرنامج امتاز بطابعه المتعدد التخصصات، إذ يجمع بين التصميم المرتكز على الإنسان، وعلم النفس، وعلوم الأعصاب، إلى جانب علوم الحاسوب وتحليل البيانات. كما يدمج مفاهيم الأخلاقيات والحوكمة وسياسات التكنولوجيا ضمن ممارسات تجربة المستخدم وإدارة البيانات وتُعد هذه المجالات أساسية لمستقبل الذكاء الاصطناعي، لا سيما مع تزايد دور الأنظمة الذكية كشريك في حياة الإنسان، وليس مجرد أداة تقنية. وفي هذا السياق، تبرز مفاهيم مثل الثقة، وقابلية التفسير، والتفاعل الهادف، بوصفها عناصر لا تقل أهمية عن الكفاءة التقنية.
تصميم مسؤول وشفاف
وأضافت أن البرنامج يركّز على تطوير أنظمة يمكن فهمها وفحصها، وقادرة على شرح آليات عملها وأسباب قراراتها. ويتم إدماج مفاهيم المسؤولية وسهولة الوصول والسلامة والأثر طويل المدى منذ المراحل الأولى للتصميم، بما يضمن وضوح الأنظمة وخضوعها للمساءلة.
دور العلوم الإنسانية في دعم الابتكار
وأشارت إلى أن علم النفس وعلوم الأعصاب والعلوم الاجتماعية تلعب دوراً محورياً في البرنامج، إذ تساعد الطلبة على فهم كيفية تفكير الأفراد وتعلّمهم وبنائهم للثقة واتخاذهم للقرارات عند التفاعل مع التكنولوجيا. كما يزوّد البرنامج الطلبة بإطار معرفي يتناول الأبعاد الأخلاقية وحوكمة التكنولوجيا وعلم الاجتماع الرقمي، ما يعزز قدرتهم على تقييم التجارب التقنية من منظور إنساني شامل.
ابتكار مسؤول
وأكدت أن البرنامج الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي في دولة الإمارات، تدعم إعداد كوادر قادرة على تحويل الأبحاث المتقدمة إلى تطبيقات عملية تخدم المجتمع. وتشير المعطيات العالمية إلى أن حجم الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي تجاوز 1.5 ألف مليار دولار، في حين يُخصّص أقل من واحد في المئة منها للأثر المجتمعي، ما يبرز أهمية التوجه نحو ابتكار مسؤول وعالي التأثير.
ومن خلال دمج التصميم الإنساني والشفافية والأثر المجتمعي في منظومة التعليم، تعزز الجامعة مكانة دولة الإمارات كمركز عالمي للابتكار المسؤول.
الثقة المجتمعية
تشير تشرشل إلى أن الثقة تُبنى من خلال الفهم والشفافية. ومن خلال تطوير أنظمة قابلة للتفسير وعادلة ومتجاوبة مع احتياجات المستخدمين، يسهم البرنامج في تمكين الأفراد من التفاعل الواعي مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، ليس كمستخدمين سلبيين، بل كشركاء في تشكيل مستقبلها.
أثر مستقبلي
من المتوقع أن يؤدي خريجو البرنامج دوراً محورياً في تصميم وبناء واختبار وحوكمة أنظمة الذكاء الاصطناعي عبر قطاعات متعددة، تشمل الخدمات الحكومية، والرعاية الصحية، والصناعة، والثقافة.
وبفضل الجمع بين التميُّز التقني والرؤية الإنسانية، يسهم هؤلاء الخريجون في وضع معايير عالمية لتعاون شفاف وشامل ومسؤول بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، بما يعزّز دور دولة الإمارات في رسم ملامح المستقبل الرقمي عالمياً.