الإثنين 4 مايو 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
علوم الدار

الخدمة الوطنية.. الإنسان محور «المنظومة الدفاعية»

إعداد عسكري يرفع الجاهزية ووطني يعزز الانضباط والمسؤولية (الصور من المصدر)
4 مايو 2026 01:12

أبوظبي (الاتحاد)

تقوم الرؤية العسكرية الحديثة في الإمارات على مبدأ أساسي مفاده أن القوة لا تُقاس فقط بحجم القدرات والتجهيزات، بل بمدى وعي الإنسان الذي يقف خلفها، ومن هذا المنطلق، يبرز الإنسان، باعتباره العنصر المحوري في المنظومة الدفاعية، فهو الذي يمنح القوة معناها الأخلاقي والعملي في آنٍ واحد. وفي التجربة الإماراتية، لم يُنظر إلى الفرد العسكري باعتباره أداة ضمن تشكيلات قتالية فحسب، بل كجزء أصيل من المجتمع، يحمل قيمه ويعكس هويته ويسهم في تعزيز أمنه واستقراره، وقد شكّلت الخدمة الوطنية خطوة استراتيجية لترسيخ هذا المفهوم، عبر دمج البعد المجتمعي في البناء العسكري، وتحويله إلى عنصر أساسي في تعزيز الجاهزية الوطنية الشاملة.

إذا كانت العقيدة العسكرية تحدد كيفية استخدام القوة، فإن الإنسان هو من يمنحها معناها وحدودها وأخلاقيتها، وفي التجربة الإماراتية، لم يُنظر إلى الجندي بوصفه مجرد عنصر في منظومة قتالية، بل بوصفه امتداداً للمجتمع، وحاملاً لقيم الدولة، وركيزة من ركائز الأمن الشامل. ومن هنا، تبرز أهمية إدخال البعد المجتمعي في التفكير العسكري، لا كإضافة رمزية، بل كعنصر بنيوي في بناء القوة. 
في هذا السياق، شكّلت الخدمة الوطنية، وما رافقها من سياسات لبناء الجاهزية المجتمعية، تحولاً مفاهيمياً في فهم الأمن والدفاع، نقل القوات المسلحة من نموذج «المؤسّسة المنفصلة» إلى نموذج «المؤسّسة المتكاملة مع المجتمع». 

البداية في الإنسان
في الحروب الحديثة، لم يعُد التفوق مرهوناً بالسلاح وحده والتجارب الدولية، أظهرت أن الجيوش التي تمتلك أحدث المنصات قد تفشل إذا افتقرت إلى الانتماء والالتزام وضعفت علاقتها بالمجتمع وتحولت إلى كيان معزول نفسياً وثقافياً. 
من هذا المنطلق، أدركت دولة الإمارات أن بناء قوة عسكرية مستدامة يتطلب الاستثمار في الإنسان، بوصفه «صانع القرار في الميدان»، حامل القيم الوطنية والجسر بين المؤسّسة العسكرية والمجتمع. 
وهذا الإدراك لم يكن نظرياً، بل تُرجم إلى سياسات واضحة هدفت إلى تعزيز الرابط بين الدفاع والهوية الوطنية والخدمة الوطنية من واجب عسكري إلى مشروع وطني. 
لم تُطرح الخدمة الوطنية في الإمارات بوصفها إجراءً لزيادة عدد المنتسبين فحسب، بل كجزء من رؤية أوسع لبناء مناعة وطنية في مواجهة التهديدات المعاصرة، التي لم تعد عسكرية صرفة، بل نفسية وإعلامية ومجتمعية أيضاً. 
في هذا الإطار، أدت الخدمة الوطنية دوراً مزدوجاً في إعداد عسكري أساسي يرفع الجاهزية وإعداد وطني يعزز الانضباط، والمسؤولية، والعمل الجماعي، هذا الدمج بين البعدين العسكري والوطني جعل الخدمة الوطنية أداة لبناء المواطن الواعي بدور الدفاع، لا مجرد مجند مؤقت. 

وعي مجتمعي 

من أبرز التحولات التي رافقت إدخال الخدمة الوطنية، الانتقال من مفهوم «الجيش يحمي المجتمع» إلى مفهوم «المجتمع يشارك في حماية نفسه». هذا التحول يعني رفع وعي المجتمع بطبيعة المخاطر، وتمكينه من فهم التهديدات غير التقليدية ومقاومة الشائعات والحرب النفسية وإدراك أهمية الانضباط في الأزمات. 
في هذا السياق، تصبح الجاهزية المجتمعية خط الدفاع الأول ضد محاولات زعزعة الاستقرار من الداخل، سواء عبر التضليل الإعلامي أو استغلال الأزمات. 

الهوية الوطنية
أحد الآثار العميقة للخدمة الوطنية هو دورها في تعزيز الهوية الوطنية الجامعة، فالالتقاء بين شباب من خلفيات اجتماعية ومناطق مختلفة ضمن إطار واحد يعزز الشعور بالمصير المشترك، ويكرس فكرة الدولة فوق الانتماءات الجزئية، ويبني ذاكرة جماعية مرتبطة بقيم الانضباط والمسؤولية. 
هذا البعد لا يقل أهمية عن البعد العسكري؛ لأنه يسهم في بناء مجتمع أكثر تماسكاً وأقل قابلية للاختراق في أوقات الأزمات والجندي كممثل للقيم لا كأداة قتال فقط. في التجربة الإماراتية، يُنظر إلى الجندي بوصفه ممثلاً لقيم الدولة، داخل الوطن وخارجه، فالسلوك الفردي للجندي في الميدان، أو في المهام غير القتالية، أو في التفاعل مع المجتمعات المحلية، ينعكس مباشرة على صورة الدولة ومصداقيتها. 
ولهذا، ارتبط التدريب العسكري منذ مراحل مبكرة بقيم الانضباط واحترام القانون وبضبط استخدام القوة وبالوعي بالأثر الإنساني والسياسي لأي تصرف فردي، هذا التركيز على السلوك والقيم أسهم في بناء صورة إيجابية للقوات المسلحة، وعزز ثقة المجتمع المحلي والشركاء الدوليين بها وبالخدمة الوطنية وبناء الاحتياط الاستراتيجي. في عالم تتسارع فيه الأزمات، يصبح وجود احتياط مدرب وواعٍ أحد أهم عناصر الأمن الوطني، والخدمة الوطنية، في هذا السياق، لا تُنتج فقط مجندين مؤقتين، بل تُنشئ قاعدة بشرية يمكن استدعاؤها عند الحاجة ودمجها في منظومات الدعم والطوارئ والاستفادة منها في مهام غير قتالية عند الأزمات، هذا الاحتياط لا يعمل فقط في سياق الحرب، بل في سياق الكوارث، والأزمات الصحية، والطوارئ الوطنية، ما يعزز قدرة الدولة على الاستجابة الشاملة. 

البعد النفسي

وجود منظومة خدمة وطنية فّعالة يبعث برسالة طمأنينة داخلية مفادها أن الدولة مستعدة، وأن المجتمع جزء من هذه الاستعدادات، هذه الطمأنينة تُعد عاملاً نفسياً بالغ الأهمية؛ لأنها تقلل من الهلع في الأزمات، وتعزز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وتضعف تأثير الحملات المعادية التي تراهن على الخوف والارتباك، وهنا، يتجاوز أثر الخدمة الوطنية بعدها العسكري ليصبح أداة استقرار نفسي واجتماعي والإنسان كعنصر حاسم في الحروب المستقبلية. رغم التقدم التكنولوجي، تبقى الحروب - في جوهرها- صراعات إرادة والأنظمة الذكية، والذكاء الاصطناعي، والمنصات غير المأهولة، لا تُغني عن الإنسان، بل تزيد الحاجة إلى قائد قادر على اتخاذ القرار وجندي واعٍ بالسياق ومجتمع يدرك طبيعة الصراع ولا ينجر وراء التضليل. في هذا الإطار، يظهر الاستثمار الإماراتي في الإنسان بوصفه استثماراً في مستقبل الأمن، لا في الحاضر فقط.

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©