حسام عبد النبي (أبوظبي)
تُصنَّف دولة الإمارات من أهم الدول الفاعلة في قيادة الجهود الدولية نحو الاستدامة والتحول إلى الاقتصاد الأخضر، حيث لا تقتصر جهود ومبادرات الدولة على استهداف تحقيق الحياد المناخي على المستوى المحلي بحلول عام 2050، وإنما المشاركة بفعالية في الحراك العالمي لتمويل مشاريع الطاقة النظيفة ودعم الدول النامية في مسيرتها نحو الاستدامة. ويُجمع الخبراء في مجال الاستدامة على أهمية دور الإمارات في دعم الاستدامة الدولية، فهي لا تكتفي بإنتاج «الطاقة» عبر المبادرات والحلول داخل حدودها، بل تعمل على «تحويلها» وتوزيعها وتوسيع نطاقها عالمياً عبر ضخ التمويل والابتكار، لتضيء مسارات النمو الأخضر في أكثر مناطق العالم احتياجاً.
تمويل مستدام
وتعهّدت بنوك وطنية في اتحاد مصارف الإمارات بتقديم تمويل مستدام بشكل جماعي بأكثر من تريليون درهم، أي ما يعادل 270 مليار دولار بحلول عام 2030، بهدف دعم حلول التمويل المستدام، ودفع التعاون الدولي لتحقيق مستقبل مستدام.
وحسب تقرير التمويل المناخي، الصادر عن مؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ «كوب 28»، فإن دولة الإمارات تُوفر تمويلات بقيمة تتجاوز 60 مليار درهم (16.8 مليار دولار) في مشاريع الطاقة المتجددة حول العالم، وخاصة في الدول النامية والمجتمعات الهشّة في أفريقيا وآسيا، والمناطق الأكثر تأثراً بتداعيات التغير المناخي، لاسيما في دول الكاريبي والدول الجزرية الصغيرة.
وأكد معالي محمد بن هادي الحسيني، وزير دولة للشؤون المالية، في كلمة خلال التقرير، بعنوان «نموذج الإمارات في تطوير آليّات التمويل.. ضمانة لمستقبل مستدام»، أن دولة الإمارات أعلنت عن مبادرة لتمويل مشاريع الطاقة النظيفة في أفريقيا بقيمة أكثر من 16 مليار درهم (4.5 مليار دولار)، بهدف مساعدة القارة الأفريقية على توفير الكهرباء النظيفة في متناول 100 مليون إنسان بحلول عام 2035، وذلك استجابةً لواقع أن أفريقيا لا تحصل سوى على 2% من الاستثمارات العالمية في الطاقة المتجددة، معتبراً أن هذا النموذج الإماراتي في تمويل مشاريع الاستدامة هو نموذج متقدّم يُركز على تحقيق النتائج، ويُشكّل مثالاً يحتذى به في إحداث تحوّل محوري ومؤثّر في تمويل المشاريع المرنة مناخياً، والتي تضمن مستقبلاً مستداماً للأجيال القادمة والمجتمعات.
تحفيز الاستثمارات
وتمثّلت أهم المبادرات الإماراتية لقيادة الجهود الدولية لتحقيق الاستدامة في إعلان الدولة عن إنشاء صندوق «ألتيرا - ALTERRA» الاستثماري الخاص برأسمال قدره 30 مليار دولار للحلول المناخية على مستوى العالم، والذي صُمِّم لسد فجوة التمويل المناخي وتيسير الحصول عليه بتكلفة مناسبة، بهدف تحفيز وجمع واستثمارات عالمية تصل إلى 250 مليار دولار بحلول عام 2030. كما أعلنت الدولة عن صندوق الخسائر والأضرار، من خلال المساهمة بمبلغ 100 مليون دولار في هذا الصندوق، الذي تم تفعيله في «COP28» لدعم الدول النامية الأكثر تضرراً من الكوارث المناخية، مع التركيز على الطاقة المتجددة والنظيفة، مع التزامها باستثمار حوالي 130 مليار دولار إضافية في السنوات السبع المقبلة حتى عام 2030.
وتشمل المبادرات الاستراتيجية لدولة الإمارات عدداً من المحاور لقيادة الجهود الدولية نحو الاستدامة والتحول إلى الاقتصاد الأخضر، ومنها ما يتعلق بالقيادة العالمية والرؤية الاستراتيجية، حيث تُعتبر الإمارات من أكبر الدول المستثمرة في مشاريع الطاقة النظيفة عالمياً، حيث استثمرت أكثر من 50 مليار دولار في 70 دولة، وتعهدت باستثمار مبلغ مماثل محلياً ودولياً خلال العقد القادم. كما توّجت هذه الجهود باستضافة مؤتمر الأطراف (COP28) الذي نتج عنه «اتفاق الإمارات» (UAE Consensus) التاريخي، والذي دعا إلى انتقال عادل ومنظّم للطاقة، مع استهداف مضاعفة قدرة الطاقة المتجددة ثلاث مرات وكفاءة الطاقة مرتين عالمياً بحلول عام 2030. وضمن ذات التوجه، تقود شركة أبوظبي لطاقة المستقبل «مصدر» طموحات الدولة في الخارج، حيث أصبحت من أسرع شركات الطاقة المتجددة نمواً في العالم، إذ تمتلك الشركة محفظة مشاريع (قائمة وتحت التطوير) تصل قدرتها إلى 65 جيجاوات في أكثر من 40 دولة عبر القارات الست، من أبرزها المساهمة في تسليم مشاريع غيّرت مفاهيم القطاع، مثل محطة «لندن أراي» التي تُعد واحدة من أكبر محطات الرياح البحرية في العالم، ومشروع «هايويند سكوتلاند»، وهو أول محطة تجارية عائمة لطاقة الرياح في العالم، كما تتضمن الأهداف المستقبلية لشركة «مصدر» الوصول بقدرتها الإنتاجية إلى 100 جيجاوات بحلول عام 2030، مع التركيز القوي على ريادة إنتاج الهيدروجين الأخضر.
شراكات استراتيجية
وفيما يخص الشراكات الاستراتيجية الكبرى، فإن الإمارات تعمل كجسر لربط رأس المال العالمي بالمشاريع المستدامة من خلال اتفاقيات دولية ضخمة، وأهمها الشراكة مع الولايات المتحدة لإطلاق شراكة استراتيجية لاستثمار 100 مليار دولار لتنفيذ مشاريع طاقة نظيفة بقدرة 100 جيجاوات حول العالم بحلول عام 2035. وتُعزّز كيانات مثل «مبادلة» و«جهاز أبوظبي للاستثمار- ADIA» و«القابضة - ADQ» بشكل فعال في توجيه رأس المال نحو الأصول الخضراء والتكنولوجيات الناشئة مثل الهيدروجين الأخضر وتخزين الطاقة، وإدارة الشبكات، وتقنيات التقاط الكربون.
مشاريع رائدة
أعلنت الإمارات عن استراتيجية الأمن المائي 2036، والتي تهدف إلى خفض انبعاثات الكربون في قطاع المياه بنسبة 60% بحلول 2030. ويتم ذلك عبر التوسع في تقنية التناضح العكسي (RO) المستدامة، مثل محطة «نقاء» في أم القيوين (150 مليون غالون يومياً) ومحطة «المرفأ M2» في أبوظبي، والتي تُعد أكثر كفاءة بنسبة 96% مقارنة بالمحطات الحرارية التقليدية. كما ترتكز سياسة الاقتصاد الدائري 2021-2031 على أربعة قطاعات ذات أولوية: التصنيع المستدام، البنية التحتية الخضراء، النقل المستدام، وإنتاج الغذاء المستدام، لضمان الاستخدام الأمثل للموارد وتقليل الهدر. وتلتزم الإمارات بزراعة 100 مليون شجرة مانغروف بحلول عام 2030، نظراً لقدرتها الفائقة على تخزين الكربون بنسبة تصل إلى أربعة أضعاف الغابات الاستوائية الأخرى.
وتُعد الإمارات أول دولة في المنطقة تستخدم الطاقة النووية السلمية لتوليد الكهرباء (محطة براكة)، كما تقود الجهود في مجال الهيدروجين الأخضر من خلال بناء أول مشروع على نطاق صناعي في المنطقة.