في خطوة علمية رائدة، توصل فريق من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا «MIT» إلى تطوير نموذج ذكاء اصطناعي قادر على توقع نتائج التفاعلات الكيميائية بدقة أكبر من أي وقت مضى، عبر دمج القيود الفيزيائية الأساسية، مثل قوانين حفظ الكتلة، ضمن آليات التنبؤ. تأتي هذه الخطوة بعد محاولات سابقة استُخدمت فيها نماذج اللغة الكبيرة «LLMs» للتنبؤ بالتفاعلات الكيميائية، لكنها فشلت جزئيًا لافتقارها إلى أساس علمي متين يضمن توافق النتائج مع المبادئ الفيزيائية.
ونُشرت الدراسة في 20 أغسطس بمجلة «Nature»، بإشراف فريق متعدد التخصصات ضم الباحث بعد الدكتوراه السابق جون يونغ جونغ "حالياً أستاذ مساعد في جامعة كوكمين، كوريا الجنوبية"، والمهندس البرمجي السابق مون هونغ فونغ "حالياً في جامعة ديوك"، وطالب الدراسات العليا نيكولاس كاسيتي، وزميل ما بعد الدكتوراه جوردان لايلز، وطالب الفيزياء ني داسانايك، إلى جانب المؤلف الرئيسي كونور كولي، أستاذ تطوير المهنة في أقسام الهندسة الكيميائية والهندسة الكهربائية وعلوم الحاسوب في MIT.
تحديات التنبؤ الكيميائي
يؤكد جونغ أن "توقع نتائج التفاعلات الكيميائية يعد من المهام الأساسية في البحث العلمي، وخاصة عند تطوير أدوية جديدة، إذ يتطلب معرفة دقيقة بالمنتج المحتمل من مجموعة محددة من المواد الكيميائية الداخلة في التفاعل". ويشير إلى أن معظم النماذج السابقة اقتصرت على التعامل مع المدخلات والمخرجات النهائية، دون متابعة الخطوات الوسيطة أو ضمان الالتزام بقوانين حفظ الكتلة، وهو ما يجعل التنبؤات غير دقيقة في الواقع.
ويضيف جونغ: "رغم نجاح نماذج مثل ChatGPT في مجالات بحثية متعددة، إلا أنها لا توفر طريقة لتقييد المخرجات وفق الإمكانيات الفيزيائية الواقعية، مثل الالتزام بحفظ الكتلة. استخدام الرموز الحاسوبية التي تمثل الذرات قد يؤدي إلى خلق ذرات جديدة أو حذفها أثناء التفاعل، ما يشبه الكيمياء القديمة، بدل استنادها إلى فهم علمي حقيقي".
طالع أيضا.. الذكاء الإصطناعي يشكل مستقبل التكنولوجيا الطبية
تتبع الإلكترونات بدقة
لحل هذه المشكلة، وفقًا لموقع «MIT NEWS»، استعان الفريق بطريقة قديمة ابتكرها الكيميائي إيفار أوجي في سبعينيات القرن الماضي، تقوم على استخدام "مصفوفة الروابط والإلكترونات" لتمثيل الإلكترونات في التفاعل. وبناءً على هذا المفهوم، طور الباحثون برنامجًا جديدًا باسم «FlowER» "تطابق التدفق لإعادة توزيع الإلكترونات"، الذي يتيح تتبع جميع الإلكترونات أثناء التفاعل، لضمان عدم إضافتها أو حذفها بشكل عشوائي.
يوضح فونغ أن "النظام يعتمد على مصفوفة تمثل الإلكترونات في التفاعل، حيث تشير القيم غير الصفرية إلى الروابط أو أزواج الإلكترونات المنفردة، وتمثل القيم الصفرية غيابها. هذا يساعد على الحفاظ على الذرات والإلكترونات معًا، وهو جوهر إدراج حفظ الكتلة في النظام".
يشير كولي إلى أن النموذج "لا يزال في مرحلة إثبات المفهوم، لكنه يُظهر أن نهج تطابق التدفق مناسب جدًا لتوقع التفاعلات الكيميائية". ويضيف أن النموذج، رغم تدريبه على أكثر من مليون تفاعل كيميائي مأخوذة من قاعدة بيانات مكتب براءات الاختراع الأميركي، لا يشمل بعض المعادن وأنواعًا محددة من التفاعلات التحفيزية، لكن الفريق متفائل بإمكاناته لتوفير تنبؤات موثوقة.
ويتابع: "نظام «FlowER» قادر على تقديم تنبؤات دقيقة للآليات الكيميائية، مع الحفاظ على الكتلة والإلكترونات، ما يجعله أداة قوية لتقييم النشاط الكيميائي ورسم مسارات التفاعل، مع إمكانية التوسع مستقبلًا لاكتشاف تفاعلات معقدة وآليات جديدة".
قد يهمك أيضا.. الذكاء الاصطناعي يزاحم المبرمجين.. أم يمهّد لمستقبلهم؟
مشروع مفتوح المصدر
النموذج متاح حاليًا مجانًا على منصة «GitHub»، ويعد مشروعًا مفتوح المصدر يشمل النماذج والبيانات، بما في ذلك مجموعة بيانات أعدها جونغ تسرد بدقة خطوات التفاعلات المعروفة. ويؤكد فونغ أن "فريقنا يعد من بين المجموعات الرائدة التي توفر هذه الموارد مفتوحة المصدر لتكون متاحة لجميع الباحثين".
ويشير الفريق إلى أن نموذج «FlowER» يوازي أو يتفوق على الأساليب الحالية في تحديد المسارات الميكانيكية القياسية، مع إمكانية التعميم للتفاعلات غير المرئية سابقًا، ما يجعله ذا أهمية في مجالات الكيمياء الدوائية، واكتشاف المواد، والاحتراق، والكيمياء الجوية، والأنظمة الكهروكيميائية.
ويضيف كولي: "باستخدام خيارات البنية التي اعتمدناها، حصلنا على زيادة كبيرة في صحة التنبؤات والالتزام بالقوانين الفيزيائية، مع أداء دقيق مساوٍ أو أفضل قليلاً من النماذج الحالية". ويشير إلى أن الفرق الأساسي في نهجهم هو الاعتماد على البيانات التجريبية الموثقة في براءات الاختراع لتثبيت المتفاعلات والمنتجات، بدلاً من التخيّل، ما يوفر استنتاجًا دقيقًا للآليات لم يسبق تحقيقه بهذا المستوى من الشمول.
تعرف على.. الذكاء الاصطناعي يبتكر مضادات حيوية جديدة تقهر البكتيريا المقاومة للأدوية
مستقبل الكيمياء الذكية
الخطوة التالية، كما يقول كولي، فهي "توسيع فهم النموذج للمعادن والدورات التحفيزية، إذ أن معظم التفاعلات الحالية لا تشمل المعادن أو المحفزات، وهذا محور اهتمامنا المستقبلي".
ويختم كولي بالقول: "الإمكانات طويلة الأمد لهذا النظام هائلة، إذ يمكن أن يساعد في اكتشاف تفاعلات معقدة جديدة وفهم آليات غير معروفة، لكنه يظل مجرد خطوة أولى نحو مستقبل واعد في التنبؤ الكيميائي".
يمثل تطوير نموذج «FlowER» خطوة مهمة نحو دمج الذكاء الاصطناعي مع المبادئ الفيزيائية الصلبة لتقديم تنبؤات أكثر دقة وموثوقية في الكيمياء. ومع إتاحته كمشروع مفتوح المصدر، يفتح هذا النموذج الباب أمام الباحثين حول العالم لاستكشاف مسارات تفاعلية جديدة، وفهم الآليات الكيميائية بدقة غير مسبوقة، مع إمكانية توسيع نطاقه ليشمل المعادن والتفاعلات التحفيزية. وبينما يظل النموذج في مرحلته الأولية، فإنه يشكل حجر الأساس لمستقبل يُعيد تعريف طرق البحث والتطوير الكيميائي، ويعزز قدرة العلماء على ابتكار أدوية ومواد جديدة بفعالية أكبر.