ترجمة: د. عزالدين عناية
حين صاغ العلامة ابن خلدون قوله «إنّ التاريخ في ظاهره لا يزيد على الإخبار، ولكن في باطنه نظرٌ وتحقيقٌ»، لامس بُعدين مهمّين، الخبر وما وراء الخبر، لتبقى البشرية في أمسّ الحاجة إليهما لفهم ما يجري حولها من تحولات. فهناك أحداث ووقائع ومجريات تنهال علينا، ويبدو أنّ «النظر والتحقيق» هما الكفيلان بصياغة فهم واستيعاب لها. في هذه المقالة للإيطالي ماركو فيلوني، أستاذ الفلسفة السياسية، يعرض إطلالة على فلسفةِ التاريخ، ضمن مسعى فهم التاريخ والبحث عن تعقّل مجرياته.
في ذلك الخريف من عام 1806 لمّا أطلّ هيغل من شرفة بيته، ورأى نابليون يدخل مدينة يِينا الألمانية، سارع بالكتابة إلى صديقه نياتهامر في رسالة مؤرّخة في الثالث عشر من أكتوبر 1806: «رأيتُ روح العالم على صهوة جواد». وإذا ما كان للتاريخ من معنى لدى فيلسوف ألمانيا، فذلك المعنى قد تجسّدَ حينها في الإمبراطور الزاحف. وبالفعل في السنة الموالية نشر هيغل عمله المميّز «ظاهريات الروح» الذي طَبع به فترة الحداثة. وأعلن في ذلك الكتاب نهاية التاريخ، ومنذ ذلك العهد أُثير جدل واسع حول الفكرة. فعلى مدى قرنين تتوالى استعادة مقولة «نهاية التاريخ» ومشتقاتها، بدءاً في باريس مع أليكسندر كوجيف، وأخيراً في أميركا مع فرنسيس فوكوياما.
والسؤال المطروح: لماذا يصعب الحديث عن المستقبل دون استدعاء التاريخ؟ فمن ذلك الإشكال برزت المسألة الشائكة حول معنى فلسفة التاريخ التي قضّت مضجع فلاسفة الحداثة، بوصف فلسفة التاريخ ظاهرة حديثة، كما بيّن ذلك بوضوح الألماني راينهارت كوسليك (1923-2006). كانت المقولة لها سياقاتها التاريخية الضاربة في ثقافة التنوير، ونقد الثورة الفرنسية، والثورة الصناعية، ناهيك عن القومية، والصراع الطبقي، والأزمات التاريخية الكبرى للقرن العشرين، وإلى غاية تطور المجتمع ما بعد الصناعي والعولمة.
اقتفاء المعنى
فعلى هذا الأساس يمكن الحديث عن نهاية التاريخ ومعناه. لنتابع الأمور بانتظام، يقول هيغل بصريح العبارة في «ظاهريات الروح»: إن التاريخ انتهى، ولكن بمعنى مغاير لِما جرى التصريح به لاحقاً. فبالنسبة إليه تُقرّ الفلسفة، وعبرها الوعي الذاتي للإنسان، بتاريخها المنضوي في التاريخ –بوضع حدّ للمفارقة والاغتراب- وهو ما يعني أنّ التاريخ لم ينته مع نابليون في يِينا، كما حاول هيغل شرحه في مؤلف «دروس حول فلسفة التاريخ».ومن هذا الباب فنهاية التاريخ هي مستهلّ لتاريخ مغاير. وفي ضوء ما ذكرنا ما المراد بفلسفة التاريخ؟ يتعلق الأمر، بوجه عام، بتأمّل يتطلّع إلى إرساء آفاق ونقاط مرجعية موضوعية، بما يغاير التاريخ الرسمي الهادف إلى أغراض سياسية صرفة. وبشكل يبيّن أنّ الأحداث لها خطّ ومعنى. وهذا الخط وهذا المعنى يمكن معاينتهما في مستوى أول، ولكن فلسفة التاريخ تلامس تفسيراً شاملاً.
وقد أضاف الفيلسوف إريك فايل (1904-1977)، لهذا المفهوم الجامع، بعض العناصر التوضيحية. وذهب إلى القول بوجود ضربين من فلسفة التاريخ: الأوّل يقوم على التأمل الفلسفي في الماضي حول ما جرى، وهدفه بالأساس اقتفاء المعنى وتحديده، على غرار ما قام به هيغل، نحو حلّ يرى في التاريخ تجسّداً للروح، أو بخلاف ذلك بلوغ وعي يرى في التاريخ تتابعاً عبثياً لأحداث لا تنتظم وفق أي منطق أو ضابط، والثاني ينشغل بتاريخية الإنسان، أو لنقل بكل ما مضى، وبكل ما فعله الإنسان، وبشكل ما بناء ذاتي للإنسان –أو بالأحرى ما إذا كان تاريخ الإنسان فعلاً فلسفياً أو دون ذلك. يشترك الضربان المتقابلان في نقطة انطلاق جامعة، فكلاهما يعتبر التاريخ مفهوماً موجوداً بذاته، سواء كتجسّد للروح أو كمجرد تلاحق للأحداث.
الدائري والخطّي
ثمة رؤيتان للمسار التاريخي، ذلك الدائري وذلك الخطّي. وقد اعتبر فلاسفة التاريخ أن رؤيةَ المسار الدائري للتاريخ هي من الخاصيات المميزة للعالم القديم، في حين أن رؤية المسار الخطي وليدة التراث الكِتابي. فالفهم الدائري لتاريخ العالم، يجعل من الإنسان مجرّد متفرّج على ما يجري في العالم من أحداث: لأن تاريخه يسير داخل إطار ثابت غير متبدل -النظام الكوني- يمكن التحرك داخله وتوجيه قدره، ولكن بشكل ضئيل ومحدود. في حين قابل المعاصرون ذلك بموقف خطيّ يضرب بجذوره في الأمل الكِتابي نحو عالم جديد، وهو ما آل إلى وعي يرنو إلى جعل الماضي نموذجاً للمستقبل.
لم تتعاقب هاتان الرؤيتان -الدائرية والخطية- أو بعبارة أوضح لم تفلح تلك النظرة الدائرية للحلول محلّ تلك الخطية. تركت الرؤية الخطية المستقبل مشرعاً، من خلال بناء فكرة أن من الماضي يمكن التشوف نحو الإمكانيات الإنسانية اللامحدودة مستقبلاً، لكنها لم تنجح كلياً في إزاحة الرؤية الدائرية، وكما يقول إريك فايل «يخضع مستوى حداثة حضارة تاريخية (بمعنى غير بدائية) إلى القوة النسبية لهذين التوجهين في كيفية تأويلهما الخاص».
لقد اختتم إريك فايل كتابه «معنى التحول الجذري في التاريخ» قائلاً إن: «التاريخ بالنسبة إلينا هو تحولات حتمية وجملة من القطائع. نحن نتطلّع إلى عالم خالٍ من القطائع ودون حاجة ماسة إلى تبدّلات ومنعطفات، عالم مستقرّ، ليست فيه أهمية سوى لما يتكرّر باستمرار -العالم الذي تركناه حين شرعنا في صناعة التاريخ. وفي كلمة ختامية، التاريخ المتنقل من قطيعة إلى قطيعة هو مليء بالعبث والعنف والحيف، هكذا هو التاريخ الذي نودّ تجاوزه. فمن أفلاطون إلى ماركس تم تحديد معنى للتاريخ، ولكن بشكل غائم، كشأن نهاية التاريخ».
ظاهريات الروح
وبالحديث عن نهاية التاريخ، من المجدي التشديد على أنّ الموضوع هو ما يحدّد النهاية ونهاية التاريخ. إنها خاتمة «ظاهريات الروح» كما صوّرها هيغل: اكتساب الوعي الذاتي، في إحساس تراجيدي وغامر وكوني. ولهذا كانت النهاية في الحاضر. وثمة عنصر آخر مهمّ ينبغي إضافته لبناء المفهوم، ألا وهو دخول العلم المشهد، أو بعبارة أخرى فكرة ضرورة ضمان المواصلة (في الحاضر كما هو الشأن في المستقبل). وبشكل عام إدراك أن التقدّم ينبني على المعرفة العلمية، أو بالأحرى على التحكم التكنولوجي في الطبيعة. ومن المفارقات أن من ألهب حماس الاهتمام بنظرية نهاية التاريخ في الزمن الراهن -وبالتالي إيجاد أجوبة لهذه الأسئلة، هو فرنسيس فوكوياما الأميركي، الذي يحتكم أفقه المعرفي إلى أوروبا العتيقة- لأن الموضوع، وببساطة، يفتقر إلى جذور أنجلوسكسونية.
ويبقى هناك سؤال من دون جواب، مع أنه في غاية الأهمية، يتعلّق بالانشغال بمولد التاريخ أو بالأحرى من يُولّده. فالتاريخ في حد ذاته هو معطى كوني، أو لنقل التاريخ كنشاط إنساني فردي. وبمتابعة هذه المسألة نجد أنفسنا أمام سلسلة من الأسئلة: لماذا ننشغل بالماضي؟ وما الذي يجعل التاريخ مهمّاً وجذاباً في أعيننا؟ وهل هذا الانشغال التاريخي بنّاء؟ وهل هو ما يميزنا بشكل ما؟ وفي إجابة مختزلة عن حزمة الأسئلة نتبيّن أن التاريخ ليس الماضي بشكل مطلَق، بل هو الماضي الفاعل في الحاضر. أي احتضان ما كان، وفهمه وإدراكه عبر ما هو كائن وما هو موجود اليوم.
فالتاريخ هو قرارٌ، على حدّ قول إريك فايل. ونحن حين ننشغل بالماضي فنحن نولي اهتماماً لأنفسنا. ولهذا من المجدي التخلي عن فكرة أن الماضي يمكن اعتماده مثالاً للمستقبل. لأنّ ذلك القرار الذي هو التاريخ، حتى وإن كان يبحث عن إثبات له في الماضي، هو يقرّر موضوعه الخاص في الحاضر وفي ما هو متاح.
وبالتالي ليس التاريخ عبثاً ولا باطلاً، لأنّه مراوَحة دائمة بين العنف والحوار، بين الضجر والحاجة، بين الشغف الأعمى واليوتوبيا. فليس هناك نهاية للتاريخ، يمكن أن نعلّق الآمال دائماً صوب تلك الدولة الكونية الفاضلة التي يُتاح فيها للفرد الوقت والحرية الكافيين لاختيار المعنى، كنوع من الإثبات للحياة الخاصة. فليس موضوع التاريخ الفرد، لأن الفرد له نهاية، وإنما التاريخ هو سيرة ذاتية للنوع البشري، وحين ينتهي تاريخ هناك تاريخ آخر يهلّ.
* المقالة صادرة في «مجلة لِيمس» الإيطالية في عدد شهر نوفمبر 2021.