السبت 17 يناير 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

د. عبدالله الغذامي يكتب: ذاكرة الرادو

د. عبدالله الغذامي
17 يناير 2026 01:52

جرت ترجمة كلمة راديو إلى مذياع، لكن الحالة الثقافية العامة ظلّت على كلمة (رادو)، وذاكرتي مع الرادو ابتدأت مع والدي وتعلقه بالأخبار، وقد تصدّرت إذاعة لندن الواجهة الإخبارية، لأن بريطانيا حينذاك كانت ذات صورة حسنة فيها إعجاب من بريطانيا العظمى، وكان ذلك وصفاً مبهراً تعززه قصص المجالس عن الإنجليز وأنظمة سلوكهم وعلمهم وحضارتهم، كما أن إذاعة لندن عُرف عنها أنها تكشف الأخبار بحيادية على عكس إذاعات العرب.
ولم تتغير صورة إذاعة لندن إلا عام 1956 مع العدوان الثلاثي على مصر، مما شوّه صورة بريطانيا، وزاده خبر استقالة المذيعين العرب وترك العمل في تلك الإذاعة بسبب انحياز المحطة في نشر الأخبار وانحيازها لبريطانيا المعتدية. وفي ذلك العام تصنّعت ذاكرتي السياسية مع الحس العروبي ضد العدوان، ومشاركة المملكة رسمياً في الوقوف مع مصر وضد الاستعمار ورموزه، وكنت تبعاً لموقف والدي وأساتذتنا في المدرسة، وهناك تسيس ذوقي وأصبح حسي الأول عروبياً، بكل ما يتبع هذا من ثقافة ومواقف، وكنت حينها في العاشرة من عمري.
وحين وقعت واقعة 1967 اضطررنا لإذاعة لندن ثانية بسبب صدمتنا من إخفاء إذاعة صوت العرب حقيقة وقائع المعارك، وكنّا نصدّق صوت العرب في الأيام الأولى للمعارك، ثم جاءت الطامة الصاعقة حين تكشّفت بوادر هزيمة الأيام الستة، وهنا عُدنا لإذاعة لندن لنسمع ونلعن لندن في آنٍ واحد. وهذه تجربةٌ فارقة أن تستمع لمن تكره، لأنك لا تثق بمن تحب. وهو يمثّل حالة تغيرٍ نوعي في نظام تفكيري، وإن لم أترجمها لمعنى مفاهيمي، حينذاك لكنه خلق عندي رغبات بتنويع مصادري.
وتعزّزت هذه الرغبة حين دخلت في البحث العلمي، كما أفادتني فترة البعثة في مطلع السبعينات إلى بريطانيا التي أحب وأكره في آن. وعشت في بريطانيا سبع سنوات مع هذا المعنى بإتقان تعلمته أيضاّ من سلوك اتحادات الطلاب في بريطانيا، حيث النزاعات السياسية بين شباب الأحزاب المتنوعة في بريطانيا في مواجهات حامية وقت استراحة الغداء، حيث تتلهب قاعة اتحاد الطلاب في النقاشات الحادة والخطيرة، التي تنطلق من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وبينهما وسطيات متنوعة ولكن ما إن يغادروا القاعة حتى يتصافوا فيما بينهم وينكتوا ويمضوا بصفاء وتلقائية، وكنت حينها أصف الإنجليز ببرودة الأعصاب بالمعنى السلبي إلى أن اكتشفت أني مثلهم أحب أفكار برتراند راسل وأسلوبه، لكنني أكره سلوكياته التي هي عندي مشينةٌ وممقوتة، وهنا تكشّفت لي مخاتلات الذاكرة حين تضع المحبة والكراهية في خانتين متجاورتين، وتمنحهما القدرة على التحرك معاً باتجاه حدث واحد تحبه وتكرهه في آن، ولا تسمح لإحداهما أن تزحم الأخرى وتخرجها لأن كلتيهما ساكنةٌ في الذاكرة كقدرة قبلة للتحاور والتحرك معاً. وأراني عشت حياتي العملية والفكرية وفق هذه المعادلة التي تصنّعت عندي تلقائياً مع الراديو، ثم تحولت لنظرية فكرية صبغت أنظمة رؤيتي وسيرت سلوكي الواقعي والتفاوضي.
كاتب ومفكر سعودي
أستاذ النقد والنظرية/ جامعة الملك سعود - الرياض

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©