الخميس 29 يناير 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

«تريندز» ومكتبة الإسكندرية يناقشان تحديات الإنتاج الثقافي في العصر الرقمي

«تريندز» ومكتبة الإسكندرية يناقشان تحديات الإنتاج الثقافي في العصر الرقمي
28 يناير 2026 21:38

القاهرة (الاتحاد)
على هامش جولته البحثية في القاهرة، نظم مركز «تريندز للبحوث والاستشارات»، عبر مكتبه الافتراضي في مصر، ندوة بعنوان «الإنتاج الثقافي في العصر الرقمي.. وفرة المحتوى وتحديات الإبداع»، بالشراكة مع مكتبة الإسكندرية، وذلك ضمن مشاركة المركز في فعاليات النسخة الـ 57 من معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026. وأكد المشاركون في الندوة، التي أدارتها الباحثة وردة المنهالي، مديرة إدارة الاتصال المؤسسي في «تريندز»، أن الإبداع الثقافي والفكري فعل مزدوج يجمع بين الإبداع في الفكرة والإبداع في طريقة تقديمها. وأشاروا إلى أن الأصالة في العصر الرقمي ليست حالة ثابتة، بل هي عملية مستمرة من المقاومة الذكية ومحاولة لتحقيق التوازن بين العمق والانتشار. كما أوضحوا أن المبدع في العصر الرقمي يحتاج إلى امتلاك مجموعة من المهارات الجديدة التي تمكنه من العبور الواعي داخل «اقتصاد الانتباه»، ومن أبرزها: القدرة على تحويل المعنى إلى قيمة تجذب الانتباه، وامتلاك الوعي بالخوارزميات، وتعزيز الوعي الأخلاقي بالإبداع، بالإضافة إلى الوعي الإبداعي بالذكاء الاصطناعي التوليدي.

تسليع الثقافة
واستهلت الندوة الدكتورة مروة الوكيل، رئيسة قطاع البحث الأكاديمي بمكتبة الإسكندرية، موضحةً أن الإعلام الرقمي غدا أحد الأنماط الحديثة للإعلام، ويتميز بخروجه عن الأطر التقليدية، وانخفاض تكلفته، وسرعة انتشاره، وسهولة الوصول إليه، إذ أتاح هذا النوع مساحة أرحب لحرية التعبير، ومشاركة قاعدة أعرض من الأفراد في طرح القضايا والنقاش العام.
وذكرت أن الخوارزميات الرقمية ليست محايدة، لكونها مبنية على بيانات وسلوكيات سابقة قد تكون مشبوبة بتحيزات اجتماعية وثقافية، مما قد يعزز أنماطاً معينة ويُهمش أخرى، فضلاً عن تأثيرها غير المباشر في قراراتنا عبر تضييق نطاق المعلومات المعروضة أو اقتراح خيارات جاهزة، مما أفرز ما يُسمى بـ «ثقافة التريند» التي تؤدي إلى «تسليع الثقافة»، أي تقديمها في قالب محتوى سريع وسهل الاستهلاك، يفقدها عمقها الرمزي والتاريخي ويحوّلها إلى مجرد موضة مؤقتة.

تحيز الخوارزميات
وأشارت الوكيل إلى أن التحيزات المضمّنة في الخوارزميات تجعل بعض اللغات واللهجات والثقافات الأقل تمثيلاً تظهر بشكل أضعف أو تُهمَّش تماماً، إذ إننا في الوقت الذي نكسب فيه وفرة المحتوى وسهولة الوصول، نخسر الذائقة العميقة التي تتطلب وقتاً وتأملاً وقصداً في الاختيار. وهذا التأثير لا يقتصر على الجمهور فحسب، بل يمتد إلى المبدعين أنفسهم، فبدلاً من أن ينتج المبدع ما يعبر عن ذاته وقيمه، يجد نفسه مضطراً في كثير من الأحيان إلى صناعة محتوى يمتثل لمنطق الخوارزميات لضمان الانتشار، مما ينعكس سلباً على جودة الإبداع وأصالته.
ولفتت إلى أن بعض الدراسات تشير إلى إمكانية المقاومة وتحقيق التوازن، فالحل لا يكمن في تحسين الخوارزميات فحسب، بل في تعزيز دورنا الفاعل عبر مناقشة ما نحب وبناء أذواقنا بشكل واعٍ، بدلاً من تركها تُصاغ بالكامل بواسطة أنظمة آلية. وبينت أن الخوارزميات تؤثر في الذائقة الفنية والثقافية عبر ثلاث آليات أساسية: تقييد المحتوى المعروض، ودفع المبدعين لتكييف إنتاجهم مع منطق الآلة، وتعميق الفوارق الثقافية بسبب التحيزات المبرمجة، مما يؤدي في النهاية إلى تسطيح الثقافة وتحويلها من تجربة إنسانية عميقة إلى منتج استهلاكي سريع وقابل للاستبدال.

تشويش رقمي
بدورها، أوضحت روضة المرزوقي، الباحثة، مديرة إدارة التوزيع والمعارض في «تريندز»، أننا نحيا في عصر غدا فيه إنتاج المحتوى متاحاً للجميع، إذ منحتنا المنصات الرقمية مساحة غير مسبوقة للتعبير، وفتحت الباب أمام أصوات جديدة لم تكن تجد طريقها إلى الجمهور سابقاً، لكنها أدت في المقابل إلى زخم في الإنتاج وتشويش رقمي هائل، جعل الوصول إلى الإبداع الحقيقي والتمييز بينه وبين الادعاء الفكري أمراً بالغ الصعوبة.
وذكرت أن التحدي لم يعد يكمن في القدرة على النشر، بل في القدرة على التمييز وسط هذا التدفق المستمر بين «الغث والسمين»، فالمنصات الرقمية لا تعمل بمنطق الثقافة، بل وفق خوارزميات تكافئ الانتشار على حساب الجودة، وتُعلي من شأن التفاعل التجاري والبحثي على حساب العمق والاستدلال.

التفاوض مع الخوارزميات
وأشارت المرزوقي إلى أن الأدبيات البحثية في دراسات الإعلام والثقافة الرقمية تظهر أن العلاقة بين الإبداع والأصالة ومنطق المنصات الرقمية علاقة معقدة، فالبيئة الرقمية المعاصرة تدار عبر خوارزميات تحفز السرعة والانتشار والتفاعل اللحظي، وهي معايير تتباين تماماً مع قيم الإبداع التقليدية المرتكزة على العمق والابتكار والتأني في صياغة الفكرة.
وأضافت أن الحفاظ على الأصالة ليس مستحيلاً، بل يتطلب خطوات واعية من المبدع، منها: إعادة تعريف الأصالة داخل البيئة الرقمية، و«التفاوض» مع الخوارزميات بدلاً من مجرد مقاومتها، واستخدام أدوات المنصات للوصول إلى الجمهور دون التضحية بجوهر الفكرة، فضلاً عن تطوير أنماط عرض جديدة تتواءم مع البيئة الرقمية، وبناء جمهور نوعي قادر على استيعاب محتوى غير سطحي.

تغيير أنماط التفكير
من جانبها، أكدت ريهام صلاح خفاجي، الباحثة في مركز الدراسات الاستراتيجية التابع لمكتبة الإسكندرية، أن العصر الرقمي لم يغير حجم المعلومات المتاحة فحسب، بل طال التغيير أنماط التفكير ذاتها، فنحن نعيش في بيئة رقمية تكافئ السرعة، وقصر مدى الانتباه، والاستجابة العاطفية، أكثر مما تحفز التحليل المتأني والتفكير النقدي، مما يجعل ممارسة الأخير فعلاً مجهداً. وبينت أن الجمهور الرقمي يبدو غير متجانس، ليس فقط لاختلاف خلفياته، بل لأن كل فرد يتعرض لنسخة مغايرة من الواقع الرقمي، تُصمَّم خصيصاً وفق بياناته وتفاعلاته، مما يعزز «الاستقطاب»، ويفتح المجال أمام أشكال من التطرف الرقمي. وهكذا، ينقسم الجمهور إلى عوالم معرفية منفصلة يصعب التفاعل بينها، ومع تسارع وتيرة الاستهلاك الرقمي، تتقلص المساحة الذهنية اللازمة للفهم والتحليل، وهي معادلة صعبة تضع الجميع أمام مسؤولية جماعية حقيقية.

اقتصاد جذب الانتباه
وأوضحت خفاجي أن فهم «الحضور الرقمي» يتطلب التوقف عند نقطة الالتقاء بين «اقتصاد الانتباه» و«الاقتصاد الإبداعي»، حيث تبرز الحاجة لمهارات تمكن المبدع من العبور الواعي في هذا الفضاء، ومنها: القدرة على تحويل المعنى إلى قيمة تجذب الانتباه، وامتلاك الوعي بالخوارزميات، وإدارة الانتباه الذاتي، وتعزيز الوعي الأخلاقي بالإبداع، بالإضافة إلى الوعي الإبداعي بالذكاء الاصطناعي التوليدي مع الإبقاء على الإنسان في موقع القيادة.
وتابعت أن الدور الحاسم يظل للإنسان في اختيار الفكرة وتوجيه الأداة الرقمية وتقييم المخرجات، وذلك عبر استخدام الذكاء الاصطناعي لتسريع التجريب لا لاختزال الفكرة، وتوظيفه في البحث والتصورات الأولية، مع ضمان بقاء القرار الإبداعي النهائي بيد المبدع، والوعي بحدود الأداة وتحيزاتها وأثرها في الذائقة الإبداعية.

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©