الأحد 19 ابريل 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

نزار قبيلات يكتب: رواية سكوت الجوقة

نزار قبيلات يكتب: رواية سكوت الجوقة
19 ابريل 2026 01:21

تُرجمت عن الفرنسية لكاتبها الفرنسي من أصول سنغالية «محمد مبوغار سار»، رواية بسياق إنساني معاصر أعاد الاهتمام بالأدب الفرنكفوني وشؤون الهجرة، لكن هذه المرة من منظور يعيد الدفة للهامش، فالرواية ومنذ نشأتها كفنٍّ أدبي تنويري ما انفكت تُحايث الإطار الجغرافي للقارة الأوروبية، وتلامس مَنبع هذا الفن الأدبي وموطنه الأوروبي، قالبةً إطار صورة المجتمع الإنساني بمفارقات شديدة في المواقف والمبادئ، فالرّواة المَهرة يجيدون لعبة التفاوت بين الطبقة العليا والسفلية لمجتمع الرواية الذي ينشئونه فيبرزون الأصوات الغائبة لتتساوى بعد ذلك مع المركزي والرئيسي البطل.
لقد بات الأدب حُجّة الفقراء والمسحوقين والمهمشين بعد أن أخذ يصنع البطولات بالتساوي مع طرفي الصراع، حيث تدور الأحداث في بلدة صقلية تدعى «ألتينو»، قرية كانت استقبلت مهاجرين أفارقة نجوا قبل ذاك من رحلة الموت الذي رافقهم من عمق بلدانهم الفقيرة والمسحوقة، غير أنهم وحين وصلوا أرض الأحلام توقفوا ملياً أمام سؤال: أين المال والعمل والجنة التي ارتسمت في مخيال ما قبل الهجرة؟ فعلى رغم تشارك اللاجئين بالأسباب والدواعي والمصير إلا أنهم تباعدوا في المآل، فقد وجدوا يد العون، لكن في ذات الوقت وجدوا اليد التي امتدت إليهم لتضربهم وتزيد من معاناتهم وألمهم، فبعد تواتر الأحداث صارت الجمعية الإنسانية التي تساعدهم وحيدةً بعد أن تخلّى عنها المجتمع الرسمي المُمثّل بِعُمدة البلدة والشرطة والشاعر المشهور ورجال الكنيسة، فالرواية ناضجة من حيث وضوح المسافات بين أطراف الصراع الذي تجلى بعِناد المهاجرين وصلابة حجّتهم وبين مجموعة متطرفة من شبان البلدة وبعض ساستها الذين يرفضون اللجوء في السر قبل العلن، إذ وجهات النظر متساوية تتقاطع أحياناً وأحياناً تتضخم بعض الشخصيات بسبب الرسم الاستبطاني لدواخل ومشاعر ورغبات كل طرف، وهو ما جعل إيقاع الرواية متوتراً ومفتوحاً من جانب على نهايات غير متوقعة عند القارئ، فقد وقعت المفارقات حين عجزت جمعية «سانتا مارتا» عن حماية هؤلاء المهاجرين بعد أن لقي بعض أعضائها الموت على يد حركة يمينية متطرفة.
التفاصيل المُشعرَنة، والتّأمل الذاتي، وتضاد الشخصيات، وتصاعدية الأحداث، ملامحٌ أسلوبية أجادها الروائي وفق فهم مُعمّق لقضية إنسانية أزلية تُقارع التمييز والاضطهاد والعنصرية، وفي آن تكشف عن فساد يمور تحت الادعاءات العريضة لحقوق الإنسان ولقيمه، فالروائي الماهر هو ذلك الذي لا يَجِد بُداً من الاصطدام بالمخفي والمتستر والمقموع، وهو ما بناه الروائي «مبوغار» بعد أن رسم رحلة روائية متصاعدة تبدأ بفكرة اللجوء نفسه وتنتهي بعدالة الطبيعة حينَ ثار البركان في البلدة فمسح كل المشهد المكاني وكذا مصير اللاجئين ومن نصبوا العِداء لهم، أو تعاطفوا معهم وحاولوا إدماجهم بالنسيج الإيطالي، فقد جعلت واقعية الرواية وتسجيليتها الدراما فيها متسارعة رغم ضخامة الرواية وتعدد شخصياتها التي شكلت إحدى أهم أسباب روعة هذه الرواية بعد أن ألزم التأمل الذاتي كل شخصية بأن تبقى مشغولة في حوارية مع ذاتها وعُقدها النفسية وأحلامها.
بيد أن الروائي لم يكن مشغولاً بالنهاية بقدر ما كان مسكوناً بإضاءة أبعاد نفسية خفية وأقدار ما تزال هائمة وغير معروفة المصير في قضية عالمية لم تغلق أبوابها بعد، ولم تعرف مصائر ضحاياها.
*أستاذ بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©