الأحد 3 مايو 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

د.نزار قبيلات يكتب: شارع الدفاع.. جَرّة الحكايات

د. نزار قبيلات: عامُ الأسرة واللّغة العربية
3 مايو 2026 01:25

لكل شارع من شوارع العاصمة جرّة تحفظ الحكايات والذاكرة والتاريخ، في رمضان الفائت وقبيل ساعات الإفطار كنت أرقب نبض هذا الشارع الذي يفيض على جانبيه بالمارة وبقصص روّاده الذين ينشطون هناك في لحظة الغروب، فالشارع يشق حبة البرتقال فتفيض على جنباتها روائح الطعام الشامي والمصري والإماراتي والأوروبي... وهي مطاعم يعرفها سكان أبوظبي جيداً، فهناك تعلو «مرحباً يا هلا» على أصوات السيارات التي تتلاشى إذا مرت في أفق أحد الجسور، فتصافح جزيرة الريم أو شارع الشيخ زايد بن سلطان، الذي يمتد كوشاح يلفّ جهة أبوظبي من الشرق.
أما على ضفته الأخرى، فتنتشر محال الهواتف النقّالة والحواسيب على اختلافها، ولو أمعنت النظر لسمعت بوضوح ضِحكة الفرح من طفل اشترى له والده للتو هاتفاً أو جهازاً جديداً، فأسماءُ المحال التجارية هناك تتلون بفسيفساء أسماء مدن عالمية وعلامات تجارية مشهورة، ومع شروق شمس الصباح على الشارع يستحيل شارع الدفاع مجلساً كبيراً تنام في أحضانه قصصٌ كثيرة، فهناك عبورٌ متمهّل، ورِفاق اتفقوا على أن يتذوقوا الصداقة هناك، فليلُه كنهاره، يحرس روحَ المدينة ليلاً ويُسكب قهوة المحبة والأمان نهاراً.
ولأن الأسماء ليست مجرد عناوين وعلامات تجارية رحت أسأل أحد الأصدقاء عن تاريخ اسم هذا الشارع، ولأن من سألته يَنحت في التاريخ ولا يحفظه وحسب، قال: إن قوات دفاع أبوظبي كانت تُعسكر هناك، على أخدود المدينة الذي يحتضن الجُزر القريبة، متوسّدةً كتف المدينة الغربي، لتبقى قريبةً من قلبها. في الشارع لا يمكنك أن تشتري الطعام والحواسيب وحسب، بل والشاي والقهوة والخبز الطازج بأشكاله ومذاقاته، الشارع يا سادة لا ينام، ذلك لكي يؤنس ويسهر مع الساهرين والعابرين، مذكراً بتاريخ الإمارة في حقبة تاريخية مهمة يشهد عليها هذا الشارع وكذا شهداء التضحية والفداء، إنه ذاكرة حيّة تجمع الصّخب والهدوء والدفء في آن، وما إن تسمع اسمه حتى تنثال عليك روحُ المدينة، وتتدفق قصص سمعتها ممّن عاشوا في المدينة في الستينيات والسبعينيات، وحفظوا قصتها منذ الدفاع الذي غدا ساعة يضبط فيها أهل المدينة مواعيد لقاءاتهم، فمازال الشارع صفحة مفتوحةً على الطمأنينة والحياة والراحة: خيطُ يصل الماضي بالحاضر، والمعاصر بالحداثة، مرآة مصقولة للحياة، سوق للحكايات وليس للبضائع، تتناثر فيه الأضواء كنجوم هبطت لأرض الخير والأمان والفخر.
*أستاذ بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©