البندقيــة، إيـطـاليا (الاتحاد)
افتتح معالي الشيخ سالم بن خالد القاسمي، وزير الثقافة، أمس، فعاليات الجناح الوطني لدولة الإمارات في الدورة الحادية والستين من المعرض الدولي للفنون في بينالي البندقية 2026، بمعرض مبتكر يحمل عنوان «وشوشة».
يضم المعرض، الذي أشرفت على تقييمه القيّمة الفنية بانة قطّان، وهي قيّمة فنيّة ومساعدة رئيس قسم المعارض في مشروع متحف جوجنهايم أبوظبي، بالتعاون مع القيّمة الفنية المساعدة تالا نصّار، أعمالاً جديدة وأخرى قائمة للفنانين: آلاء إدريس، وميس البيك، وجواد المالحي، وفرح القاسمي، ولمياء قرقاش، وتاوس ماخاتشيفا.
وتستكشف أعمال الفنانين الستة الفضاءات الصوتية المعاصرة في دولة الإمارات، وقدرتها على صون آثار الذاكرة، ورصد التحولات السريعة، وحركات الهجرة والترحال، والارتباط الوثيق بالأرض. وتوحي كلمة «وشوشة»، بوصفها محاكاة صوتية، بصوتٍ يقع على عتبة السمع، لتشكّل نقطة انطلاق لاستكشاف موضوعات الحركة والتكنولوجيا والتاريخ الشفوي والعلاقة بين اللغة والجسد والهوية.

قال معالي الشيخ سالم بن خالد القاسمي، وزير الثقافة: «يرسّخ معرض «وشوشة» مكانة الإمارات كمساهم فاعل في المنظومة الثقافية العالمية، من خلال توظيف الصوت كمنصة للحوار والتجريب والتبادل الثقافي، واستقطاب فنانين يعكسون تطوّر الهوية الصوتية في المنطقة. كما يقدّم الجناح التراث غير المادي بوصفه ممارسة حيّة، يُعاد تفسيرها باستمرار ضمن سياقات عالمية معاصرة».
وأضاف معاليه: «يجسّد هذا التوجّه الاستراتيجية الثقافية الأوسع لدولة الإمارات، والتي تركّز على الاستثمار في الإنتاج الإبداعي، وتعزيز حضور المبدعين في المنطقة، وبناء مسارات مستدامة لتصدير الثقافة. ومن خلال مبادرات مثل معرض «وشوشة»، تواصل الدولة ترسيخ الثقافة كأحد ملامح الهوية، ومحركٍ للابتكار، والتعاون الدولي، والتنمية المستدامة على المدى الطويل». ويتولى الجناح الوطني لدولة الإمارات العربية المتحدة مهامه بقرار من مؤسسة سلامة بنت حمدان آل نهيان، وبدعم من وزارة الثقافة، ويشغل مقراً دائماً في منطقة الـ «أرسنالي – سالي دي آرمي» في البندقية.
وقالت أنجيلا مجلي، المدير التنفيذي لمؤسسة سلامة بنت حمدان آل نهيان: «يشكّل الجناح الوطني لدولة الإمارات منصةً مهمة تعكس عمق المشهد الفني في الدولة، وتُبرز كيف يُعدّ الإبداع الفني عنصراً جوهرياً في تطوّر المجتمعات، بما يحمله من خيال وثقة وثراء. ويتناول معرض هذا العام الصوت والذاكرة والحياة اليومية بوصفها مسارات للتأمل في الهوية، والانتماء، والتجربة الجماعية».
وقالت بانة قَطّان، القيّمة الفنية للمعرض: «يجمع معرض «وشوشة» نخبة من الفنانين الذين تتفاعل أعمالهم بعمق مع الصوت واللغة وتقاطعات الذاكرة. ويقدم كل فنان من المشاركين منظوراً فريداً يساهم في صياغة حوار جماعي يجسّد ثراء المشهد الفني في الإمارات. كما يسلّط المعرض الضوء على التنوع الديموغرافي والثقافي الغني للدولة، من خلال استضافة فنانين تربطهم بها علاقات وجدانية ومهنية وثيقة، مما يجسّد مكانة دولة الإمارات حاضنة عالمية للإبداع».

وقالت ليلى بن بريك، مديرة الجناح الوطني: «يُمثل جناح هذا العام لحظة فارقة لمجتمعنا. فمن بين الفنانين المشاركين، فنانتان كانتا متدربتين سابقتين في البندقية، بدأتا مسيرتهما المهنية بالمشاركة معنا في البينالي، وتعودان الآن إلى الساحة العالمية كفنانتين مرموقين، كما نرحّب بكل فخر بعودة فنانة مثّلت الإمارات في أول جناح لنا عام 2009. هذا المعرض دليل على التزامنا الراسخ بتطوير المشهد الفني في الإمارات، مُثبتاً أنه عندما نستثمر في شبابنا ومبدعينا، نجني ثمار ذلك».
طوّرت قيّمتا المعرض، بالتعاون مع مكتب بورو كوراي دومان (B–KD) للهندسة المعمارية، مساحةً تقود الزوّار في مسارٍ سمعيّ يبدأ بمناطق هادئة تتيح الإنصات بتركيز، وينتقل تدريجياً إلى مناطق تتكاثف فيها طبقات الضجيج والتداخلات الصوتية.
في عمله «نَعيماً»(2008/2026)، يعرض جواد المالحي تسجيلات لرجال يستذكرون طقوس الاحتفال التي تُقام عشية زفافهم. وفي عمل «كُوني كي أكون كما أقول!» (2026)، تُقدّم ميس البيك مجموعتين من المنحوتات الزجاجية تُجسّدان جوف فمها لحظة محاولتها الكلام، داعيةً إلى التفكير فيما يُفقد في محاولات حفظ التاريخ الشفوي. تُصوّر سلسلة الصور الفوتوغرافية «مجلس» (2009) للفنانة لمياء قرقاش المجلسَ كمساحةٍ صوتيةٍ للتجمع، تُسهّل الممارسات الاجتماعية من استضافةٍ واستماعٍ واحتفالٍ ومواساةٍ وحلّ التحديات المستجدّة. وفي عمل فني متعدد الوسائط بعنوان «اللعنة» (2026) للفنانة فرح القاسمي، تستكشف الفنانة فهم الأطفال السطحيّ لمفهوم الذنب، إلى جانب الطرق التاريخية والمعاصرة التي يتجاوز بها الناس حواجز التواصل.

«صوت البلد»
بالقرب من مدخل المعرض، يُقدَّم للزوار نشاط تفاعلي مستوحى من قصة سالم عبيد العليلي، أحد مؤسسي أول محطة إذاعية في عجمان عام 1961، والتي انطلقت بمعدات بسيطة في مساحة منزلية. ومن أبرز فقراتها كان «صوت البلد»، التي قامت فكرتها على نصب ميكروفون في الهواء الطلق لبثّ نبض الحياة اليومية. ويسلّط هذا النشاط الضوء على فصل مبكر من تاريخ الصوت في الإمارات، حين أصبح الاستماع والتسجيل والبث أشكالاً للتواصل الثقافي. واستجابةً لهذه الفقرة الإذاعية، يقدم كلٌّ من موزة المطروشي وروضة المزروعي وسبنسر شيا تسجيلات معاصرة مُستقاة من الحياة اليومية في مختلف أنحاء دولة الإمارات، تتابع المناظر الطبيعية، والإيقاعات المنزلية، والتفاعلات المجتمعية، واللقاءات العابرة.

مفهومَ الوشوشة
تصوّر آلاء إدريس في عمل «وسواس» (2026) مفهومَ الوشوشة من منظور لهجتها العاميّة، حيث يمكن أن يدلّ المصطلح أيضاً على التشويش، وهي حالة تربطها الفنّانة الإماراتيّة بطبيعة الوجود المعاصر. وبالتوازي مع ذلك، يتضمن عمل تاوس ماخاتشيفا (2026/2018) على اثنين وخمسين مكبّر صوت، تملأ فضاء المعرض بسيل متداخل من رسائل الاعتذار التي تتّخذ شكل بريد إلكتروني. وفي عمل ثانٍ لماخاتشيفا، بعنوان «وماذا قلت؟» (2026) تتناول الفنانة من خلال عمل أدائيّ وتركيب فني موضوع النميمة والقيل والقال، متأمّلة فكرة «استقلاب النميمة»، أي تحوّلها إلى حركة وكلام.