محمد عبدالسميع
شهد المجتمع الإماراتي تحولات اجتماعية وثقافية، لم تؤثِّر فقط على اتجاهات الرواية ومضامينها الفكرية، وإنما في تقنياتها الفنية، فكما أنّ الواقع المعيش ينعكس على فكر الأديب ويوجِّه كتاباته، فإن طبيعة هذا الواقع تنعكس أيضاً على تقنيات الكتابة وفنيات التعبير.
أكّد عدد من النقاد والأدباء والمتابعين التغيّر الملحوظ والمواكب للحياة وتعاطي الكاتب معها، وبالتالي القارئ والناقد، إذ ظهرت اتجاهات مهمّة في الرواية خرجت على القوالب القديمة، فكان التنوّع وتعدد الأصوات الروائيّة عامل ثراء للرواية الإماراتيّة، وذلك بحضور مواضيع حديثة، وحضور الرواية النسوية الإماراتيّة وما تعالجه من أفكار وقضايا ذاتية ووطنية وإنسانيّة في نهاية المطاف، وكلّ ذلك كان يشكّل عامل ثراء للأدب الروائي في الإمارات ذات التنوع الثقافي وتعدد الجنسيات على أرضها، كدولة تؤمن بالانفتاح والتعددية، وهو ما أضفى على السرد جمالاً واتساعاً في كلٍّ من الشكل والمضمون في كتابة الرواية.

تحولات المجتمع
وتنظر الكاتبة الإماراتية فاطمة المزروعي إلى الرواية الإماراتية بأنها تحولت منذ الألفية الجديدة تحولاً واضحاً في بنيتها الموضوعية والفنية، واستجابت لتحولات المجتمع المحلي والخليجي والعالمي. وتقول إنّ الرواية الإماراتية لم تعد تكتفي بتقديم صورة تقليدية للواقع، أو تسرد الأحداث المستقرة، ولكنها أصبحت فضاءً تعبيريّاً عن أسئلة الهوية والحداثة والمرأة والبيئة والاغتراب والهجرة والتحولات الاقتصادية والتقنية والذكاء الاصطناعي، وغيرها من القضايا التي فرضها تطور العصر.
وتشير المزروعي إلى عدد من المؤسسات الإماراتية التي تقوم بدور فاعل في المشهد الروائي الإماراتي، مثل اتحاد كُتَّاب وأدباء الإمارات، ودائرة الثقافة بالشارقة، ووزارة الثقافة والشباب، وجائزة الإمارات للرواية، وجائزة الشيخ زايد للكتاب، وكذلك المجلات، والملتقيات، ومعارض الكتاب، مثل معرض أبوظبي الدولي للكتاب، ومعرض الشارقة الدولي الكتاب، ومهرجان طيران الإمارات للآداب، كمنصات حيوية لمتابعة أحدث الإصدارات، كما تشير إلى دور الجامعات في البحوث الأكاديمية حول الرواية وتطورها، والتحول الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي التي أفادت في متابعة الرواية وقراءة الجديد.
وأشارت المزروعي إلى رصد الرواية الإماراتية لتحولات المجتمع الإماراتي من البداوة إلى المدينة، ومن القرية إلى المدينة، كما ترصد الصراع بين الأصالة والمعاصرة، ونرى ذلك في أعمال مريم الغفلي، ومحمد المر، ونوره النومان، كما تعالج أعمال باسمة يونس، وعلياء المنصوري، وشيماء المرزوقي، قضايا المرأة من زوايا اجتماعية ونفسية وثقافية، وتبرز حضور المرأة في السرد كذات فاعلة.
وأكدت المزروعي أن الرواية التاريخية تستلهم التاريخ المحلي والعربي لتمثل مادةً سردية تعكس قضايا الهوية والذاكرة والانتماء، كما نرى في روايات علي أبوالريش التي تغوص في الذاكرة الوطنية.
سمات بارزة
وأشارت إلى عدد من السمات البارزة التي تميز المشهد السردي الإماراتي المعاصر، من أبرزها تصاعد حضور الكاتبات، إلى جانب توظيف اللغة المزدوجة التي تمزج بين الفصحى والمحكية، بما يعزز واقعية السرد وقربه من الحياة اليومية.
ولفتت المزروعي إلى تنامي النزعة التجريبية في الرواية، عبر تعدد الأصوات والتشظي الزمني وتقنيات ما بعد الحداثة، فضلاً عن التأثر الواضح بالسينما والدراما من خلال المشاهد القصيرة والإيقاع البصري، وتقنيات القطع السردي.
وأوضحت أن الرواية الإماراتية أصبحت تلامس موضوعات أكثر عمقاً واتساعاً، مثل الهجرة والهوية الرقمية والصحة النفسية والبيئة، متأثرة بطبيعة المجتمع الإماراتي المتعدد الثقافات، مما ينعكس بوضوح في القصص والروايات بوصفه جزءاً من الحياة الاجتماعية والاقتصادية في الدولة.

تحولات سريعة
ويشير الشاعر والإعلامي المصري أشرف عزمي إلى روايات قديمة في الإمارات، مثل رواية «شاهنده» لراشد النعيمي سنة 1971، قارئاً التطور الواضح في الشكل والمضمون، والذي يعكس تحولات المجتمع الإماراتي السريعة، فخرجت الرواية من السرد التقليدي للأحداث إلى تجارب سردية جديدة تتماشى مع متغيرات العصر، كالسرد الذاتي والرمزية، مؤكداً أهمية المهرجانات، ودور النشر والمنتديات في ذلك، وظهور اتجاهات متنوعة في الرواية الإماراتية، من خلال الروايات التجريبية، وتفاعل الرواية الإماراتية مع التطورات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وتقاطع التراث مع الحداثة وتوسيع فضاء السرد، ودمج الواقعية مع عناصر السريالية والخيال، وتوظيف السرد الذاتي لتقديم تجارب شخصية عميقة.

الاتجاهات النقدية
أكدت الناقدة والكاتبة الإماراتية مريم الهاشمي تعدد أوجه الخطاب الروائي الإماراتي وظهور اتجاهات نقدية جديدة في الرواية المحلية، مشيرةً إلى ما تناولته في كتابها «التحولات السردية في الأدب الإماراتي» من تحولات على مستوى المضمون والمعالجة الفنية. وأوضحت أن التنوع اللغوي وتعدد الموضوعات في الرواية الإماراتية يعكسان التنوع الاجتماعي والنفسي والأيديولوجي والثقافي في المجتمع، مما أسهم في بروز أنماط سردية متعددة، من بينها الروايات ذات البعد السيكولوجي والنفسي والوظائف الحكائية المتنوعة.
وأضافت أن المجتمع الإماراتي، بحكم انفتاحه على الآخر وثرائه الديموغرافي والثقافي، أوجد بيئة خصبة لازدهار الرواية واتساع موضوعاتها وتنوع أساليبها، الأمر الذي دفع الكُتّاب إلى التمرد على القوالب التقليدية واستيعاب عناصر الفنون المختلفة، بما يعزز تمثيل الحياة والتجربة الإنسانية واكتساب المعرفة.
وأشارت إلى أن الرواية الإماراتية الجديدة تتميز بروح تجريبية واضحة، ضمن رؤية فنية تبتعد عن المباشرة، وتعتمد على المواربة الفنية عبر شيفرات نصية متعددة الدلالات، يتفاعل معها القارئ وفق وعيه القرائي والفكري، وهو ما منح السرد بعداً جمالياً أسهم في انتشار هذه الأعمال وتفاعل القرّاء معها.

صوت متفرد
يرى الناقد والشاعر السوري أحمد العقيلي أن الرواية الإماراتية شهدت تطوراً لافتاً مكّنها من تكوين صوت متفرد، لتحقق نقلة نوعية على مستوى الشكل والمضمون. وأوضح أن الكاتب الإماراتي استطاع أن يكون انعكاساً لتحولات مجتمعه الثقافية والاجتماعية، من خلال نصوص سردية ناضجة ومؤثرة.
وأشار العقيلي إلى تنوع التقنيات السردية في الرواية الإماراتية الحديثة، من خلال الروايات التجريبية وتعدد الأصوات وأنماط السرد، بما يشمل الواقعي والتاريخي والرمزي والفانتازي. واستشهد بعدد من الأعمال الروائية البارزة، منها رواية «أشواك الرمال» لنورة النومان، ورواية «الغافة» لفاطمة المزروعي التي تناولت تحولات المجتمع، إلى جانب رواية «طوي بخيتة» لمريم الغفلي كرواية إنسانية، ورواية «احتراق الرغبة» لعلي أبو الريش التي قرأت العلاقات الإنسانية المعقدة والصراعات النفسية بأسلوب فلسفي، فضلاً عن رواية «قصر الشموع» لإيمان اليوسف التي حملت طابعاً نفسياً واجتماعياً.
وأكد أن الرواية الإماراتية استفادت من الزخم الذي يشهده المشهد الثقافي المحلي ومن الدعم المؤسسي المتواصل، ما أسهم في تطور التجربة السردية وتنوع الأصوات الروائية، وترسيخ حضورها على مستوى الشكل والمضمون.

الانفتاح الثقافي
أكدت الناقدة البحرينية رفيقة بن رجب أهمية الانفتاح الثقافي والتحولات الاجتماعية في تشكيل ملامح الرواية الإماراتية، مشيرةً إلى أن هذا الفن شهد، منذ مطلع الألفية الثالثة، تطوراً ملحوظاً على مستوى الكم والنوع، وهو ما أسهم في بروز جيل من الكتّاب والكاتبات الذين اتخذوا من الرواية منصة لقراءة الواقع واستكشاف قضايا الهوية والحداثة والموروث والتحولات الاجتماعية.
وأشارت بن رجب إلى أن المشهد الروائي الإماراتي في الألفية الجديدة بات واضح المعالم ومتأثراً بالأحداث والتحولات المحيطة، مع امتلاك الروائي الإماراتي كاريزما خاصة مكّنته من تجاوز المألوف والخروج عن القوالب التقليدية. ولفتت إلى أن الرواية الإماراتية لم تعد حبيسة الأشكال الكلاسيكية، بل أصبحت مرآة للتحولات الكبرى التي شهدها المجتمع الإماراتي، من خلال تناولها الجريء لقضايا المرأة والهوية والانفتاح على مختلف التحديات الفكرية والإنسانية.