فاطمة عطفة (أبوظبي)
يحمل عيد الأضحى حضوراً إنسانياً وثقافياً يتجدد مع كل عام، عبر تفاصيله الروحية والاجتماعية التي تترك أثرها في النفوس والذاكرة الجمعية. وتنعكس هذه التفاصيل على الإنتاج الأدبي والفكري لدى المبدعين، ليواصل العيد حضوره بوصفه مساحة ثرية تستلهم منها الفنون والآداب الكثير من صور الحياة والمشاعر الإنسانية، مما يفتح المجال أمام تجدد الأفكار، وتعزيز الإبداع.

وقالت الباحثة نورة الشامسي إن العيد، يمثّل واحدة من أكبر التظاهرات الاتصالية والثقافية في المجتمع، حيث كانت الأهازيج الشعبية والتواصل المجتمعي المباشر يشكلان عنواناً لفرحة العيد وأجوائه الإنسانية الدافئة.
وأوضحت الشامسي أن الأدب والشعر والسينما والدراما تستلهم من هذه المناسبات التاريخية والروحية قيم العطاء والتلاحم، وتعيد تقديمها بوصفها جزءاً أصيلاً من الهوية العربية والإسلامية الحديثة.

وأكد الباحث فهد جميل أن العيد مساحة نفسية واجتماعية يعيد الإنسان من خلالها تعريف علاقته بالفرح والانتماء والهوية والمشاعر الإنسانية الصادقة.
وأشار إلى أن العيد يمثل اليوم فرصة للتوقف مؤقتاً عن ضغوط الحياة اليومية، والانشغال بما يغذي الذات، ويمنح الإنسان مساحة للتأمل واستعادة التوازن، ما يسهم في تعزيز الإبداع وتألق الأفكار، بما يخدم الذاكرة الجمعية، ويثري التجربة الثقافية والاجتماعية.
وأضاف أن هذا الجيل يحمل ذاكرة انتقالية فريدة، لأنه عاش مرحلة التقاء بساطة الطفولة الشعبية ببدايات الثورة التكنولوجية، فمن جهة لا تزال الذاكرة تحتفظ بصور «العيدية»، واللعب في الحارات، والتجمعات العفوية مع أبناء الجيران، ومن جهة أخرى، عاصر الجيل دخول الأجهزة الإلكترونية والألعاب الرقمية الأولى، ما جعل طفولته مزيجاً بين الواقع الاجتماعي المباشر والعالم التقني الناشئ.
وأكد أن التداخل بين التجربتين منح الأجيال الحالية رصيداً ثقافياً ومعرفياً متنوعاً، يمكن استثماره في بناء الوعي وصقل الأفكار، بما ينعكس على الثقافة والمحتوى الإنساني بصورة أكثر عمقاً واتصالاً بالواقع.

ومن منظور إعلامي وثقافي، يرى حسن أبوعمر أن العيد يمثل تظاهرات اجتماعية واتصالية تعكس روح المجتمع وتحولاته عبر الزمن، موضحاً أن العيد في الماضي كان يعتمد على التفاعل الإنساني المباشر، والأهازيج الشعبية، والزيارات العائلية التي شكلت فضاءً حياً للتواصل الاجتماعي، وترسيخ القيم المشتركة.
وأكد أبوعمر أن عيد الأضحى وموسم الحج يمثلان ذروة التلاحم الثقافي والروحي، حيث تتوحد الرسائل الإعلامية مع الشعائر الدينية في مشهد إنساني يعكس قيم التضحية والتكافل والوحدة، ويحفّز في الوقت ذاته طاقات الإبداع والأفكار المتجددة.

وأضاف الشاعر راشد شرار أن هذه الأيام الفضيلة تحمل قيمة إنسانية عميقة، حيث تمنح للإنسان الفرصة لتأمل ذاته، وعند المبدع تتجدد الأفكار تلقائياً خلال هذه المناسبات، وتنسجم أفكاره مع الأجواء الروحانية والاجتماعية، مشيراً إلى أن المبدع لا يستطيع الانفصال عن بيئته، لأنه يستمد منها مشاعره وأفكاره، ويغوص في تفاصيلها اليومية ومناسباتها المختلفة ليعبر عنها بإبداعه.
وأوضح شرار أن أيام الفرح والبهجة تمثّل طقوساً خاصة للمبدع، يستلهم منها أفكاره وبصمته التي تبقى عالقة في ذاكرة الحياة والناس. وأضاف أن الشخصية الإبداعية غالباً ما تكون اجتماعية بطبعها، وأن كثيراً من الأعمال الأدبية والفنية تعتمد على تفاصيل المجتمع الإنسانية، ومن ضمنها أجواء الأعياد والمناسبات الدينية.
وأكد أن عيد الأضحى، بما يحمله من أجواء التقارب والتواصل، يضع المبدع في قلب المشهد الجمعي، حيث يقترب من الناس ويشاركهم لحظاتهم، ما يترك في داخله مخزوناً شعورياً وإنسانياً يتحول لاحقاً إلى أعمال إبداعية، سواء كانت رواية أو قصة أو قصيدة أو لوحة فنية، تعكس رؤيته ورسائله الإنسانية والجمالية.

مناسبة وجدانية ثرية
أوضح الشاعر والكاتب خالد العيسى أن هذه أيام العيد تمثّل مساحة خصبة في ذهن المبدع، حيث تكون مشاعره أكثر حضوراً واستعداداً لالتقاط اللحظات واستلهامها وتحويلها إلى مادة إبداعية، وأضاف أن المبدع يشبه سجلاً حياً يوثق ما يدور حوله، ويختزن في داخله تفاصيل اللحظات التي يعيشها. وأكد أن المناسبات والأعياد، بما تحمله من أجواء الألفة والتجمعات الإنسانية، تمنح ذاكرة المبدع مساحة أوسع للتأمل والاحتفاظ بالمشاهد والمشاعر التي يستعيدها في لحظات الكتابة والإبداع. مشيراً إلى أن عيد الأضحى يمثل مناسبة وجدانية ثرية، بما يشيعه من دفء وراحة وسكينة، الأمر الذي يسهم في إثراء التجربة الإبداعية.