الأحد 6 سبتمبر 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

د.نزار قبيلات يكتب: الما بعد والموت: من أزمة المصطلح إلى أزمة الإنسان

د. نزار قبيلات
6 سبتمبر 2026 01:44

صيرورة المصطلح وسيرته حالةٌ مستدامة لا تتوقف، إذ إن الإنسان بحاجة دائمة إلى مفاهيم تعينه على الفهم والإفهام والتبصر، فما يتبدّل ليس فهم الإنسان لما حوله، بل حاجته إلى فهم القادم القابع في المستقبل. وهنا تأتي الفلسفة بوصفها معينًا للإنسان وملاذًا له في مواجهة أسئلته الوجودية، كما أنها سنده للوصول إلى التكيف والاطمئنان إلى ما حوله. بيد أن «ما بعد» هذا يبقى مقلقًا، وهو ما يجعل النظريات والمفاهيم الحديثة غير مستقرة قبل أن تتلاشى، بسبب ما سيحل محلها من مصطلحات ومفاهيم فلسفية جديدة، فهو يمهّد لما بعد البعد.
ولكي لا نكرر ما قيل حول الإغريقية ونظرية المحاكاة، والاشتراكية ونظرية الانعكاس الاجتماعي، والمركزية الأوروبية ونظرية البنيوية، والمدرسة الأميركية وفلسفة النقد الثقافي، نرى أن كل النظريات والمفاهيم التي وضعها الإنسان إنما جاءت لفهم الحاضر، وليس للتحوّط على المستقبل وحسمه مبكراً. فاليوم، مثلًا، يجري الحديث عن الحدود الفاصلة، أو مناطق العبور والانزياح، التي باتت تفكك الهوية البيولوجية والنفسية للإنسان، والتي شكّلت كائنًا وهويةً جديدة، وذلك بفعل الشاشات والرقمنة الجديدة. فقد تحوّل الوعي، وصارت الآلة شريكاً في صناعة القرار والهوية، وفي تكوين العاطفة تجاه الآخرين، وذلك رغم ما حققته الرقمنة من سرعة وخفة وهناء.
فجلّ النظريات السابقة التي تراتبت وتراكمت منذ عصور جاءت في ظلال سيطرة الإنسان، قبل أن تحضر الشاشة وتأخذ دفة القيادة منه، لتموت إثر ذلك النظريات التي لم تعد كافية، ويصبح الحديث عن الحداثة بلا جدوى أمام الحديث عن «ما بعد الشاشة» وعن مصير الإنسان. فقد سبق مفهومُ الموت، بتجلياته المختلفة، موت المؤلف، وموت النص، وموت القارئ، مفهومَ «ما بعد» وأطّر له، فأنتج، فضلًا عن العالم الواقعي، عالمًا آخر وهو العالم الافتراضي، الذي بتنا نقاومه بالمفاتيح الحاسوبية، وباللّمس، والقص واللصق، وتصفح حسابات رقمية عديدة.
وهنا يظهر مأزق التحقيب قريباً من مأزق النظرية، فما هو «ما بعد» ليس حقبةً زمنيةً محددة، بل بات سؤالًا حول كيفية تعامل الروبوت مع الإنسان، وهل سيحلّ محلّه كما حلّت السيارة محلّ الحصان؟ إذ إن الزمن في الشاشة زمن يمكن طيّه واستعادته وضغطه أو بسطه كما يشاء الافتراضيون. فنحن، كما يذكر ستيفان فيال في كتابه «الكينونة والشاشة»، نعيش في حالة غازية، لأننا بدأنا ننفصل عن الجسد وعن العاطفة الحسية، وهو ما يعني أننا سنعيش في حقبة غير زمنية، بل وجودية، عنوانها «ما بعد الإنسان»، في حال تم إعلان فوز التقنية عليه.
*أستاذ بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©