نوف الموسى
هناك «ارتباك» خفيّ، يعيشه الإنسان في الوقت الراهن، إزاء الزخم الفوتوغرافي الرقمي عبر شبكة الإنترنت، وهو أمر لا يتعلق بحالة الإنتاج المستمرة للصور الرقمية نفسها، وإن كانت جزءاً من حالة الارتباك ككل، إلا أن إحساس القلق قادم من خوف الفرد من أن يفقد ذاته وسط هذا كله، والمسألة تعود إلى قوة الفوتوغرافيا المستمدة في كونها اسُتخدمت لتشكل هوية الأشخاص.
السؤال عن مدى حقيقية الصورة الفوتوغرافية، عملية نسبية لا يُمكن قياسها عملياً، ولكنها تمتلك مكونات اجتماعية، تحفز التعاطف والشعور الإنساني، لإحداث التغير المجتمعي، لكن اللافت أن ما أحدثته الصورة الرقمية من متغيرات في السلوك والفكر، جعلها مصدراً يعكس رؤيتنا للعالم، إلى جانب أنها أفرزت إشكاليات عدة على مستوى العلاقات الإنسانية، كالذي أسماه ستيفن بارتليت بـ«التوقعات التي لم تتم تلبيتها»، وهو كاتب ومتحدث ومؤسس لشركة «Social Chain»، يقصد بذلك أن الصور الفوتوغرافية المثالية التي يتم نشرها عبر تطبيق «الانستغرام»، هي أكثر الأشياء التي قتلت العلاقات بين الأشخاص بحسب عدد من المتخصصين في عام 2019، وجميعها تحولات جوهرية تنقلنا إلى السؤال عن مدى إمكانية العودة إلى الألبوم التقليدي للصور الفوتوغرافية التي أنشأتها العائلات من حول العالم سواء في الولايات المتحدة الأميركية أو حتى هنا في الإمارات، ما قبل الطفرة الرقمية، وإعادة قراءتها، لما لها من دور، كما أوضحت البرفيسورة المساعدة ورئيسة قسم الفنون والدراسات الثقافية، في جامعة كوبنهاجن في الدانمارك ميت ساندبي بأن «ألبومات صور العائلة تتعلق بالتواصل الاجتماعي والعاطفي، ويمكن تفسيرها على أنها طرق لفهم الحياة والتصالح معها»، إذاً هل فهمنا وإدراكنا للبعد الاجتماعي لألبوم صور عائلاتنا، ودراستها كجزء من الثقافة المادية ينقذنا من حالة الارتباك؟
تجربة شعورية
هناك مقولة مهمة وضعها المخرج ميشل غوندري، لكاتب الفيلم تشارلي كوفمان، عبر فيلم «الإشراقة الأبدية لعقل نظيف»، وهي: «هناك جوهر شعوري لجميع ذكرياتنا، عندما نستأصل ذاك الجوهر، فإن عملية المسح تبدأ، وعندها سنستيقظ في الصباح، وستكون جميع الذكريات التي استهدفناها قد تبددت وزالت. كما يتبدد الحلم بعد اليقظة».
من المهم أن نعي دائماً أن جل الحديث عن الفوتوغرافيا يدور حول ارتباطه الوثيق بالذاكرة، وما أشار إليه كوفمان، حول سقوط الجزئية المتعلقة بالشعور، هو الأساس الذي يعطي أو يصادر حق الذكرى مهما كانت مكانتها في الحضور والتأثير، سواء عبر الفوتوغرافيا أو ذات الإنسان نفسه.
ويمكننا أن نتصور أن الكم الكبير للصور الرقمية لا قيمة له، إذا فُقدت فيها التجربة الشعورية، بالمقابل فإن ألبوم العائلة التقليدي على سبيل المثال، يحمل الجوهر الشعوري لدى الإنسان، مهما اختلفت آراء العلماء حول مدى حقيقته. وفي نفس السياق، سردت بيسي مانسون، منقحة صور عن تجربتها أثناء تطوعها في أحداث تسونامي اليابان في عام 2011، وتحديداً في بلدة صيد صغيرة، وهي أوفوناتو، في مقاطعة ايواتي، أثناء مساعدتهم في إخراج الحطام وتنظيف المدارس، كان يجدون صوراً وألبومات عائلية، تقول بيسي مانسون: «كانت جزءاً كبيراً من الخسارة الشخصية، التي أحس بها هؤلاء، وهم يهربون من الأمواج للنجاة بحياتهم».
فسرت مانسون، كيف عملت مع مجموعة من المتطوعين على إصلاح تلك الصور وبدقة شديدة، أثناء وجودهم هناك، مبينةً أننا نلتقط الصور باستمرار، لأن الصورة تذكرنا بشخص ما وبشيء ما، بمكان وعلاقة، إنها بمثابة استعادة لقطع صغيرة من الإنسانية، وإعادة ذلك الاتصال إلى أحدهم، وما عبرت عنه بيسي مانسون، يعود إلى مفهوم أساسي ذكرته الباحثة ميت ساندبي، عبر دراسة لها هدفت فيها لبيان أهمية صور العائلة في احتوائها على صفات عاطفية ونفسية تصل إلى أبعد من المالك الفردي للصور ويجب طرحها ومناقشتها، واصفةً أن الصور العائلية ديناميكية، ولا تكون ثابتة في معناها أبداً، لأنها لا تعكس العلاقات الاجتماعية والطقوس فحسب، بل تنشئها أيضاً، ما يتطلب تحليل التصوير الفوتوغرافي العائلي بالاعتماد على النظرية الثقافية والأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية ودراسات الثقافة المادية، قائلةً: في ضوء الانفجار الأخير لمواد الصور العائلية الخاصة على المنصات الاجتماعية على الإنترنت، فإن الرغبة في القيام بعمل ميداني وبحث في التصوير الفوتوغرافي العائلي المعاصر، مع الاعتراف بخصائصها العاطفية والعاطفية وكذلك غموضها وقابليتها للتغيير، أصبح أمراً ملحاً وضرورياً.
سيرة ذاتية
قدم المصور الفوتوغرافي الإماراتي علي الشريف كتاباً بعنوان «عكوس سالمين» سيرة ذاتية لأول مصور تلفزيوني إماراتي - سالمين السويدي، نشر في الكتاب مجموعة صور فوتوغرافية تنشر لأول مرة، منها ما سبق قيام اتحاد دولة الإمارات، ومن بين أجمل الصور التي قد تستوقف المتلقي دخول البحر في «فريج المرر» - منطقة ديرة في بداية السبعينيات، الصورة الفوتوغرافية بـ «الأبيض والأسود»، تكمن قوتها في أنها تسرد حادثة طبيعية، وتفاعل الأطفال وأهل «الفريج» وهم يرفعون ملابسهم (الكنادير) للأعلى ويمشون على المياه بعفوية مطلقة، ابتسامة الأطفال توحي بهدوء نسبي في المكان، وتنقلك إلى حالة الاستقرار الشعوري للناس وقتها، رغم أن دخول المياه للبيوت قد يعرقل حركة سير أهل المكان قليلاً.
وهذه الصورة تحديداً تنقلنا إلى أهم ما يقود الصورة الفوتوغرافية في التجربة الشعورية التي تحدثنا عنها مسبقاً وهي «القصة»، وكلما استخدمت الصورة الفوتوغرافية في سرد قصة ما، يكون تأثيرها عميقاً، ما يعود بنا إلى ما قام به المصور الصحافي جايلز دولي، بتصوير نفسه، لأنه أراد أن يري الجميع ما تفعله القنبلة بالإنسان، بعد أن فقد أطرافه بسبب مروره على لغم أرضي في مهمة له في أفغانستان، واعتبر أن إظهاره لذلك رسالة يود القول فيها: إن فقدان أطرافك لا ينهي حياتك، وأن بإمكانك فعل أي شيء إن ركزت فيه وآمنت به.
حفظ التاريخ
في مقالة نشرها المصور الصحافي تشارلز ويليامز، ذكر أن السبب الرئيس لدراسته التصوير الصحافي هو سعيه لحفظ التاريخ، وتحديداً تلك القصص المتعلقة بالصور العائلية، لأنها بحسب تعبيره عادةً ما يتم تجاهلها، ولكنها كنز مهم في أنها تعطي للناس الإحساس بالمكان، بل وتتيح أفقاً أوسع لوضع أهدافهم في الحياة، وهو ما حدث معه عندما بدأ البحث عن جذوره العائلية عبر الصور الفوتوغرافية التقليدية، واعتبار أن المبدأ الأساسي الذي يجب مراعاته لتفسير تلك الصور، هو ليس كون الكاميرا تسجل حدثاً فحسب، بل أن يتم عن طريق ما يختار المصور مشاهدته، يذكر ويليامز عن دراسة تحليليه للباحث ديفيد تريند بعنوان: «Look who›s talking: ofFamily Representations»، يشير فيها إلى غياب الأب عادةً من الصورة العائلية، باعتبار لديه السلطة لتشكيل الأسرة والتقاط الصورة كذلك.
من بين أبرز ما ذكره المصور الصحافي تشارلز ويليامز، عبر دراسة بحثية لـ «هالي ديفيد» بعنوان «Displaying the Dream: The Visual Presentation ofFamily and Self in the Modern American Household، »، كيف أنه في النصف الأخير من القرن التاسع عشر، غيّر الرسامون الانطباعيون، مثل «فنسنت فان جوخ» الطريقة التي بنى بها العديد من الناس صور العائلة. كانت لوحاته لعامة الناس في أماكن عامة، ما تسبب في التحول من الصور الرسمية إلى الصور غير الرسمية، بدأت عبرها تغييرات مماثلة تحدث في الوسط الفوتوغرافي خلال أوائل القرن العشرين، محررة صور العائلة من سلطة اللوحات باهظة الثمن لرسامين الأوائل، ومن الصور الدائمة والمتجمدة لاستديوهات التصوير الفوتوغرافي.
وبتقديم جورج إيستمان أول كاميرا كوداك عام 1885. عبر شعارها الشهير «تضغط على الزر، ونحن نقوم بالباقي»، انطلقت التجارب الشخصية للهواة في تصوير تلك الفضاءات الحميمية في داخل المنزل.
«لئلا ننسى»
في الإمارات، ظهرت مبادرة طلابية، قدمت فيها طالبات جامعة زايد في أبوظبي، معرض التصوير الفوتوغرافي بعنوان «لئلا ننسى»، ضمن اشتغالاتهن كخريجات من كلية الفنون والصناعات الإبداعية، وضم المعرض وقتها صوراً عائلية التقطها مواطنو الدولة من الفترة ما بين «1958 إلى 1999».
والمعرض طرح علاقتنا الإنسانية والاجتماعية والمتغيرات الفكرية من خلال الصورة الفوتوغرافية، وهو بطبيعته تحول مهم للوعي المجتمعي، وقد يكون بمثابة ردة فعل غير مقصودة، أمام الكم الرقمي، الذي عزز المفهوم الخاطئ للتجربة الشعورية المُشكلة لهويتنا، ما أعطى للصورة الفوتوغرافية التقليدية قيمة أعلى وأقدر على فهم طبيعة ونشأة المجتمع المحلي ومتغيراته، ولكن السؤال الجوهري: إلى أين يمكن أن تأخذنا ردة الفعل أمام الضخ المتتابع للصور الرقمية؟ وهذا لا ينفي قيمتها، كوسيط مهم لا يمكن الاستغناء عنه في اللحظة الراهنة.