رنا سرحان (بيروت)
لا يخلو بيت لبناني في رمضان من خبز الصاج الذي يتصدر قائمة الأصناف التراثية على موائد الأجيال، وهو يعرف كذلك بـ«المرقوق»، وينشط عجنه وخبزه في القرى، فيما يكثر توزيعه على رفوف الأفران في المدن.
وفي زيارة لبيت «أم وحيد» وأخواتها الأربع، نشهد أجواء تحضير الخبز التراثي مباشرة بعد الإفطار، ويجلسن في غرفة كبيرة فيها كل أدوات العجن والخبز، وتقوم كل واحدة منهن بدورها في عملية الخَبز، الأخت الكبرى تلوّح الرغيف ليتمدد حجمه، وتقوم الصغرى بعملية «الرَّق» فيما تعمل الأخت الثانية على هندسة شكل العجينة بـ«الكارة»، وهي قطعة أسطوانية مصنوعة من القماش و«الكروشيه» ومحشوة بالقطن، وتتولى الأخت الثالثة الإشراف على عملية الخبز ووضع الحطب تحت «الصاج».
ثقافة غذائية
الخبز اللبناني التراثي لم يغب عن مائدة «أم وحيد» منذ طفولتها وتصف ذكرياتها معه قائلة: «كانت جدتي تعد «المرقوق» في نهاية كل أسبوع، وكنت أساعدها لاكتساب هذه العادة التي باتت مع الوقت جزءاً من ثقافتنا الغذائية، وتذكر أنه على الرغم من دوام الطلب على خبز الصاج، غير أن الأمر تغير قبل سنوات وبات معظم الناس في القرى يعتمدون على الأفران الحديثة في إحضار خبزهم اليومي ولم تعد عادة الخبز في البيوت رائجة كما من قبل، وبات المرقوق البيتي من الكماليات على المائدة، تعدّه من اشتاقت عائلتها إلى طعمه، لكونه يحتاج إلى يوم كامل لإعداده.
وتضيف: «اعتاد أهل القرى على إعداد رغيفهم على الحديد والنار، وبعد التطور الصناعي تحول معظمهم لشرائه مصنعاً، لكن اليوم وفي زمن انتشار فيروس كورونا، عاد كثيرون إلى تحضير «المرقوق»، بعدما اشتاقوا إلى طعم الأصالة وذكرى الأجداد، ومنهم بدأوا يتعلمون طريقة الخبز في المنزل، وآخرون اتخذوا من جديد عملية تحضير الخبز مهنة يقتاتون منها ولاسيما العائلات المحتاجة إلى دخل إضافي.
تعمل أم وحيد وأخواتها في الأيام العادية على إعداد الخبز التراثي بعد صلاة الفجر وحتى الظهر، وفي شهر رمضان يبدأ العجن بعد صلاة العشاء وحتى موعد السحور، وغالباً يتم تحضير كمية كبيرة في المرة الواحدة اختصاراً للوقت والجهد بما يكفي لأسبوع كامل، سواء للاستهلاك المنزلي، أو للتوزيع على الأفران.
جلسات حنين
وتحضير المرقوق اللبناني عملية بسيطة تجمع بين الخير والتراث في آن، وتوفر على الكثير من العائلات تكلفة يومية تغنيهم عن شرائه وتساعدهم على توزيعه للمحتاجين من الأقارب والجيران. وأكثر من ذلك تشكل جلسات العجن والخبز لوحات حنين جميلة تجمع حولها أفراد الأسرة من الكبار والصغار حول الصاج، وتذكرهم بالتراث القروي وعادات الأجداد، ولإتمام العملية بنجاح يجب عدم استخدام الغاز، بل الخبز على النار تحت صاج من حديد مصقول بقطع من الحطب وأوراق الزيتون المجففة وبقايا الأغصان اليابسة التي يتم جمعها في أواخر فصل الصيف. ولتحضير العجينة يستعمل طحين القمح الأبيض المقشور وطحين القمح البلدي الكامل وطحين الذرة والخميرة والملح مع رشة من السكر، وتتم عملية العجن ظهراً ويبدأ «الرق» فجر اليوم التالي.
الخبز التراثي اللبناني أكثر ما يطلب عند الفطور الصباحي، ومثله مناقيش الصاج من الزعتر والسمسم والسماق مع الزيت، و«البقعات» الأكثر سماكة، والتي تعد مثالية مع اللبنة والجبن والبيض المقلي.