الثلاثاء 2 يونيو 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
الترفيه

د. شريف عرفة يكتب: الحاجة للاعتقاد

د. شريف عرفة يكتب: الحاجة للاعتقاد
10 ابريل 2021 00:08

تمرد التلميذ المشاغب كارل يونج على أستاذه أبو التحليل النفسي، سيجموند فرويد، ليخرج لنا بنظريات نفسية جديدة تعارضه.. ففي النصف الأول من القرن الماضي كان عِلم النفس أقرب لمدرسة فلسفية، حيث في إمكان الباحث التأمل ودراسة حالات قليلة  ليستنتج نظريته، دون امتلاك أدوات التحقق منها بمعايير البحث العلمي الصارمة المتعارف عليها اليوم.. لكن رغم ذلك، لا تزال نظريات التحليل النفسي القديمة تطل برأسها علينا من حين لآخر.. مثل فكرة «التزامن» التي تحدث عنها يونج..
ما هو التزامن؟
كان يونج يعتقد بفكرة عجيبة مفادها أن الكون متشابك ومتناغم بطريقة أعقد مما نظن، لدرجة أن هناك أحداثاً تقع بشكل متزامن رغم عدم وجود رابط منطقي بينها.. كما ترى الغراب فيصبح يومك نحساً.. تحلم بشيء، فتجد أمراً شبيهاً به قد تحقق.. أو تفكر في شخص، لتجده يتصل بك في نفس الوقت.. أو عند النظر لظاهرة فلكية وربطها بحدث يومي.. هذا نوع من التزامن بين حدثين لا علاقة مباشرة بينهما، ويعني -حسب يونج - وجود علاقة ما بين عالمنا الداخلي والخارجي!
بالطبع، لا تحظى هذه الفكرة بقبول المجتمع العلمي اليوم، لأسباب عديدة منها أنها غارقة في مغالطة التحيز.. أن تتجاهل مئات المرات التي حلمت فيها بهراء لم يتحقق، وآلاف المرات التي تذكرت فيها صديقك، ولم يتصل بك.. ورأيت غراباً، ولم يحدث لك شيء.. فالمصادفة ليست قاعدة يمكن البناء عليها، لأنها لا تتكرر إلى الحد الذي يمكن التعويل عليه.. لذلك ذوت هذه الفكرة، ولم يعد لها اعتبار في علم النفس الحديث.
لكن منذ أيام، قرر علماء نفض الغبار عنها، ونشروا دراسة تتناولها من منظور مختلف، وهو أهميتها النفسية بالنسبة لكثير من الناس.. لماذا يميل البعض للاعتقاد بفكرة التزامن هذه؟ لماذا يظنون أن حدوث مصادفة نادرة، يعني أن الكون يسير على هذا النحو، ويتمسكون بهذا الاعتقاد رغم هشاشته؟
في هذه الدراسة - المنشورة نتائجها في دورية كارنت سايكولوجي - حاور الباحثون عشرات الأشخاص الذين يعتقدون في هذه الظاهرة.. فوجدوا أنها تلعب دوراً عظيماً في حياتهم.. منها أنها تجعلهم يشعرون بأن لهم تأثيراً في عالمهم.. وأن الحياة متماسكة ذات معنى متشابك مع الظروف المحيطة.. وأن كل ما يحدث حولهم ليس عشوائياً، بل يخضع لمنطق ما، وهو ما يشعرهم بالأمان.. وما أحوج المرء للشعور بالأمان!
نحن البشر كائنات هشة في مواجهة حياة مليئة بالغموض والنتائج غير المتوقعة.. كائنات تسعى للتخطيط لمستقبل لا تعرفه على وجه اليقين في عالم لا تفهم كافة تفاصيله المعقدة المليئة بالاحتمالات.. في ظل كل هذا، يلجأ الناس لما يعطيهم الراحة واليقين بغض النظر عن دقته.. وما دامت الفكرة تجلب لصاحبها شعوراً بالاطمئنان، فلا مجال لاجتثاثها من عقله.. بغض النظر عن منطقية الفكرة من عدمها.. وهذا يفسر الكثير من المعتقدات الشائعة في عالمنا.
لسنا كائنات عاقلة منطقية بالكامل، بل تلعب احتياجاتنا العاطفية دوراً محورياً في تكويننا النفسي.. نخاف المجهول ونتحاشى الألم.. لذا يتشبث الناس بما يحقق لهم هذا.. وما يعطي لحياتهم معنى.. وما يمنحهم تفسيراً لتشابك الأحداث والظروف التي تحيط بهم بأبسط طريقة ممكنة..
حتى لو كان ذلك بالاعتقاد بفكرة غريبة، مثل التزامن.

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©