د. شريف عرفة
حين تحاول التحدث أمام الجمهور أو التعرف إلى أناس جدد، قد يتعالى صوت في داخلك، قائلاً: ألا تفعل، لأن أداءك سيكون سيئاً.. لست خبيراً في هذه الأمور.. لا تتمتع بالقبول اللازم.. لست جديراً بذلك.. لا أحد يحبّك.... وما إلى ذلك من أفكار سلبية مدمّرة..
نعرف جميعاً ذلك الصوت الداخلي الذي يتردد داخل رؤوسنا، والذي ينتقدنا باستمرار، أو يقلل من شأننا، أو يصيبنا بالإحباط..
ما هذا الصوت؟ وكيف نتعامل معه؟
الجلاد الداخلي
حسب سيجموند فرويد، فإن جلد الذات صادر من «الأنا العليا».. تلك الصورة المثالية التي تتمنى أن تكون عليها، لكنك بعيد عنها.. فتلوم نفسك وتحقر من شأنها لأنك لست مثالياً بالصورة التي تفترض أن تكون عليها.. وهذه الأنا العليا، غرسها أهلك في الطفولة بفعل التربية، أو تكوّنت من مزيج من أمثلتك العليا في الحياة.. وحين تتمتع الأنا العليا بالقسوة، فإنها تلومك وتحبطك وتحقر من شأنك، لأنك لست مثالياً بما فيه الكفاية!
في مدارس علم النفس الحديثة، مثل العلاج المعرفي السلوكي، يسمّى هذا الصوت الداخلي «الأفكار التلقائية السلبية». ويرى علماء الأعصاب أن مبعثها مناطق في المخ مسؤولة بشكل تلقائي عن ملاحظة التهديدات والتحذير منها، وهو ما يزيد من هرمون القلق، الكورتيزول.. وهي استجابة كانت مفيدة عند مواجهة تهديدات بدائية، كالهروب من النمر، لكنها لن تفيد بالطبع عند الحديث أمام الجمهور! وهو ما يتطلب التعامل مع هذا الصوت الداخلي.. ولذلك طرق متنوعة!

الإصغاء لصوتك الداخلي
هذا الصوت الداخلي آلية ذهنية بدائية تهدف لتحذيرك من خطر ما.. استمع لهذه الرسالة التي يوصلها الصوت السلبي، وفكّر فيها جيداً.. قم بتقييمها بموضوعية.. هل هي رسالة صحيحة أم لا؟ أحياناً يطرح هذا الصوت الداخلي رأياً وجيهاً.. قد يقول لك: لا تضع كل مالك في هذا الاستثمار لأن لا خبرة لديك في الأمر.. وفي هذه الحالة تلك رسالة صحيحة يجب وضعها في الاعتبار كي لا تخسر مالك.. قد تدفعك لاستشارة أهل الخبرة في الموضوع قبل التهور بقرار كهذا.. بينما رسالة مثل: لا تطرح فكرتك أثناء الاجتماع كي لا يضحك الناس عليك، فهي رسالة مغلوطة.
تأمل صوتك الداخلي
هذه الطريقة تتطلب ممارسة التأمّل والاسترخاء، وعدم مقاومة الصوت السلبي، بل مراقبته من بعيد دون تفاعل معه.. أن تتأمله وهو يمر من أمامك وكأنه سحابة.. أو جدول ماء.. أو ورقة شجر تذروها الرياح.. وكأنها تحدث أمامك لا في داخلك.. أن تراقبها لا أن تكون جزءاً منها.. حسب تقنية العلاج بالتقبل والالتزام ACT، فإن التعامل مع الأفكار السلبية بهذه الطريقة، سيجعلها تفقد إلحاحها وتأثيرها عليك، كي تستطيع بعد ذلك اتخاذ الإجراءات اللازمة في حياتك.
مجادلة صوتك الداخلي
حسب مدرسة العلاج المعرفي السلوكي CBT، فإنّ هذه الأفكار التلقائية السلبية ينبغي مقاومتها.. والتسلح بتدريبات الكتابة لمقاومتها.. فمثلاً، حين تراودك فكرة سلبية، مثل كونك غير كفء مثلاً.. ينبغي أن تكتب الأدلة التي تدعم هذا الاعتقاد، وأمامها الأدلة التي تدحض هذا الاعتقاد.. أن تكتب نجاحاتك والأشياء التي تستطيع القيام بها.. والمواقف التي تثبت أن هذا الاعتقاد السلبي خاطئ..
أو أن تكتب ما سوف تؤول إليه الأمور لو اعتنقت الاعتقاد السلبي، والنتائج الإيجابية التي ستحدث لو اعتقدت اعتقاداً إيجابياً مفيداً في حياتك..
باختصار، جادل نفسك ولا تستسلم للصوت السلبي.. فهو لا يعرف ما يتكلم عنه!

تأكيد مواطن قوتك
اعرف ما يميزك عن غيرك. عليك أن تدرك خصالك الجيدة، وما تجيده وتحب ممارسته.. هل أنت اجتماعي؟ منظّم؟ متقن لهواية ما؟ هل تحب القراءة؟ هل تجيد التأمل والتفكير؟ هل تحب مساعدة الناس؟ هل أنت لطيف مع من حولك؟
ذكّر نفسك دائماً بصفاتك الجيدة.. لأن هذا يقاوم أن أفكاراً سلبية قد تراودك وتشككك في قدراتك وجدارتك.
حتى إن أخفقت في شيء، فأنت تعرف أن لديك مواطن قوة في جوانب أخرى، ستساعدك على القيام ومواصلة الطريق.
كن صديق نفسك
حين تكون في مشكلة، تحدّث مع نفسك كما تتحدث مع صديق لجأ إليك في محنته. هل ستعذبه وتقسو عليه، أم ستشد من أزره وتهوّن عليه؟
هذه الطريقة ستجعلك أكثر رفقاً في حوارك الداخلي، لأنها تثير مشاعر الشفقة الذاتية.. يمكن ممارسة هذا التدريب بالكتابة، بأن تتخيل صديقك - أو ابنك أو أي شخص تحبه- وقد وقع في نفس المشكلة.. واكتب له ما ينبغي أن يقال في هذا الموقف.. وبعد ذلك اقرأ هذه الرسالة وكأنها موجهة إليك أنت.
كن سنداً ومعيناً لك، فأنت صديق نفسك، لا عدو لها.
التقبل الذاتي
من الضروري عدم التفريط في تقبّل الإنسان لنفسه.. يمكن أن يلوم نفسه على تصرف قام به، أن يلوم نفسه كي يتعلّم من أخطائه ويتجاوزها ويصبح أفضل.. لكن لا أن يلوم نفسه على كونه هو!
لا أحد كاملاً في هذه الحياة.. كلنا نتعلم ونتطور.. وعلى المرء تقبّل عيوبه وقصوره البشري الطبيعي.. للإنسان طاقة محدودة وزمن محدد، ولا يمكنه إنجاز كل شيء في وقت واحد..
تقبل كونك إنساناً، لا بطلاً أسطورياً خارقاً، فلا أحد كذلك!