الشارقة (الاتحاد)
قد يبدو «بيت الحكمة» في الشارقة للوهلة الأولى مكتبة معاصرة ذات تصميم أنيق، لكن ما لا يظهر للزائر من النظرة الأولى هو منظومة معمارية وهندسية معقّدة، صُممت لإعادة تعريف كيفية الوصول إلى المعرفة واستخدامها.فالمبنى، الذي طورته هيئة الشارقة للاستثمار والتطوير «شروق»، يقوم على 4 نوى إنشائية فقط تحمل سقفاً يمتد لمسافة 15 متراً، ما يتيح فراغات داخلية خالية تماماً من الأعمدة، ويمنح المستخدم حرية حركة وانفتاحاً بصرياً غير معتاد في المكتبات التقليدية. كما أن الضوء الطبيعي داخل «بيت الحكمة» ليس نتيجة فتحات تقليدية، بل نتاج نظام متكامل للتحكم بالإضاءة، حيث تعمل واجهات مغطاة بشاشات ألمنيوم متفاوتة الكثافة على ترشيح أشعة الشمس، فيما تسمح شاشات خيزران داخلية متحركة بضبط مستوى الضوء والخصوصية دون قطع الاتصال البصري مع الحدائق المحيطة. أما السقف الممتد، الذي يبدو وكأنه يطفو فوق المبنى، فيشكّل خط الدفاع الأول ضد أشعة الشمس المباشرة، ما يضمن حماية الكتب والملفات والمحتوى المعرفي داخل المبنى، ويعزّز في الوقت ذاته كفاءة الأداء البيئي. وهذه التفاصيل ليست معالجات تصميمية منفصلة، بل جزءاً من رؤية متكاملة قادتها «شروق» لتحويل «بيت الحكمة» إلى بيئة معرفية حيّة، تجسِّد توجه إمارة الشارقة في ترسيخ مكانتها مركزاً عالمياً للثقافة والمعرفة. من «المخطوطة» بدأت القصة مع نُصب «المخطوطة»، الذي جاء كأول تعبير بصري عن اختيار الشارقة عاصمة عالمية للكتاب لعام 2019 من قبل «اليونسكو». ولم يكن الهدف التوقف عند رمز يخلِّد الإنجاز، بل الانتقال إلى ما هو أبعد. فبدلاً من الاكتفاء بمعلم يشاهَد، طُرح سؤال أساسي: كيف يمكن تحويل فكرة المعرفة إلى تجربة يومية يعيشها الناس؟ وكانت الإجابة: «بيت الحكمة». افتُتح المشروع عام 2020 كمركز ثقافي ومجتمعي دائم، يجسِّد انتقال المعرفة من رمز إلى ممارسة، ومن لحظة احتفاء إلى منظومة مستمرة. أكثر من مكتبة يضم «بيت الحكمة» أكثر من نصف مليون عنوان بين مصادر ورقية ورقمية، إلا أن تصميمه لم يُبنَ على فكرة التخزين، بل على كيفية استخدام المعرفة. فالمبنى يضم قاعات محاضرات، ومساحات للنقاش، ومناطق للمعارض، ومختبرات للتصنيع والنمذجة، إلى جانب بيئات تعلم مرنة تستجيب لأنماط التعلم المختلفة. ويعكس توزيع المساحات فهماً دقيقاً لسلوك المستخدمين، حيث تتكامل المساحات المفتوحة التي تشجع التفاعل مع زوايا قراءة هادئة تتيح التركيز، فيما جاءت مرافق مثل «ردهة السيدات» استجابة مباشرة لاحتياجات المستخدمين من حيث الخصوصية والراحة. كما تم دمج كتب «برايل» ضمن المجموعة الرئيسية، بما يعزِّز مبدأ تكافؤ الوصول إلى المعرفة من دون فصل أو تصنيف. الضوء والحركةولتجسيد هذه الرؤية، تعاونت «شروق» مع مكتب الهندسة المعمارية العالمي Foster + Partners لتطوير نموذج معماري يعكس دور «بيت الحكمة» كمؤسسة معرفية معاصرة. وجاء التصميم قائماً على نظام هندسي منضبط يرتكز إلى التوازن والتناظر، مع استلهام مبادئ العمارة الإسلامية بأسلوب حديث يركّز على وضوح الكتلة وتنظيم الفراغات. ويُعَد الفناء الداخلي عنصراً محورياً في تنظيم الضوء والحركة داخل المبنى، إذ يسمح بدخول الضوء الطبيعي والهواء إلى عمق المساحات، ويساهم في تحسين جودة البيئة الداخلية، إلى جانب دوره في تنظيم الحركة وخلق نقاط توقف ضمن تجربة المستخدم. كما يفتح المبنى بصرياً على محيطه الطبيعي، حيث تطل المساحات الداخلية على حدائق مصممة بعناية، تشمل حديقة معرفية ومنطقة مخصصة للأطفال، إضافة إلى حديقة هندسية تحتضن نُصب «المخطوطة»، في ترابط بصري مباشر. وخلال النهار، يتسم المبنى بالهدوء والانضباط، بينما يتحول ليلاً إلى كتلة مضيئة تنبعث منها المعرفة إلى الخارج، في تعبير بصري يعكس فكرة مشاركة المعرفة. «إنشاء معلم» وأكدت خولة سيد محمد الهاشمي، المدير التنفيذي للمشاريع في «شروق»، أن المشروع اعتمد على فهم طبيعة المعرفة اليوم، قائلة: لم نبدأ بتصميم مبنى، بل بدأنا بتعريف كيفية الوصول إلى المعرفة وكيف تُستخدم ضمن بيئة متكاملة. وأضافت: من السهل إنشاء معلم، لكن التحدي الحقيقي هو تصميم مكان يعود إليه الناس باستمرار ويصبح جزءاً من حياتهم اليومية، مشيرةً إلى أن نجاح «بيت الحكمة» يُقاس بمعدلات الاستخدام، ومدة بقاء الزوار، وتنوع الأنشطة التي يحتضنها. وأوضحت أن هذه الفلسفة لا تقتصر على «بيت الحكمة»، بل تشكّل نهجاً متكاملاً تتبعه «شروق» في مختلف مشاريعها ووجهاتها، حيث تقوم جميع عمليات التطوير على ركائز رئيسة تشمل الاستدامة، والابتكار، والحفاظ على الهوية، وتعزيز دور المجتمع. ويأتي ذلك في إطار التوجيهات والرؤية الاستراتيجية لسمو الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، رئيسة «شروق»، التي تركز على تطوير مشاريع نوعية تجمع بين القيمة الثقافية والأثر المجتمعي طويل الأمد. بنية مستدامة يمثّل «بيت الحكمة» ونُصب «المخطوطة» معاً رؤية متكاملة لتطوير المشاريع الثقافية، حيث يرمز الأول إلى لحظة الاعتراف العالمي، بينما يترجم الثاني هذا الاعتراف إلى تجربة يومية مستدامة. وبهذا النهج، نجحت «شروق» في تحويل إنجاز ثقافي إلى بنية معرفية حية، تؤكد أن العمارة يمكن أن تكون أداة لاستدامة المعنى.