قال الخالق عزّ وجل في مُحكَم كتابه «لقد خلقنا الإنسان في كبد». وقال أيضا: «وأَن ليس للإنسان إِلا ما سعى». لقد أدرك الإنسان منذ نزول القرآن الكريم معنى وجودِه على هذه الأرض، ومعنى أن يكون خليفةَ الله في الأرض لإعمارِها والحِفاظ على كُنهها بفضل ذلك التنزيل، ولأجل ذلك، ظلّ المؤمن حاملاً لهذه الأمانة وهو يخوض داخل دائرة مُحكَمة صراعاً بدأ معه وانتهى به دون أن يعرف بنفسه نتيجته أو مآله، فغدا إذ ذاك في كدٍ وسعيٍّ مستمرين، فقد قال أرسطو قبلاً: إن الوصولَ لأيّ معرفة يقينية عن النّفس هو من أصعب الأشياء. فقد كان الإنسان على دراية بما قدّمه وبذله وسعى إليه في حياته وقبل مماته، لكنه لم يعرف نتيجة هذا الكد والعمل، لأنه كان أيضاً مشغولاً بتحديات العيش على هذه الأرض، يتنازعه طرفا المعادلة الثنائية القائمة على الخير والشر.
أما التّاريخ فوقف في أسمى تجلياته شاهداً على سجل هذا الإنسان وأفعاله ومنجزاته، فحفظ له مذكراته ووقائعه، فقد كانت ثنائية الخير والشر تحدد له ما يكمله وما ينقصه، وتنقله بين ثنائيات أكثر ضيقاً لتصل به إلى فحوى رؤيته لأناه أولاً وللآخر ثانياً.
فالإنسان تتنازعه الاتجاهات والدروب في حياته، وتزاحمه كذلك الثنائيات، ولأنّه إنسانٌ مكرّم من الله عزَّ وجلَّ، مُنحَ الوعي والحكمة، وبات له قلبٌ يحركه الوجدان ويُحكّمه العقل، لتبدأ معه فلسفة العيش والتعايش وفق هذا الفهم، ليكون اختراع الكلمة المنطوقة والكتابة المنقوشة أولى الأفعال التي أدركها الإنسان منذ وجوده على الأرض، فكلاهما يصدر عن ممارسة واعية وإرادة حرة، فمهارة الكتابة اختراعٌ يتماس مع المحيط المتمثل بالآخر، وهي في آن أداة يميط بها الإنسان اللّثام عن كل ما يتستر عليه، أو يؤلمه، أو يُعسر فهمُه، فالكتابة اختراعٌ قبل أن تكون إنتاجاً، وهي بذلك فعلٌ يمنح الإنسان معنىً لوجوده فيرسم بها كنهه ومجتمعه ويتصور بها ألمه ويُمكّن بها الجمال.
وعادة ما يتجلى ذكر الصراع الإنساني حين ينتصر هذا الإنسان بالقيمة المثلى التي منحت له واستثمرها ألا وهي العقل، فبه ينقذ الإنسان مصيره ووجوده من مخلفات الحروب والفيروسات وأزمة الطاقة ومفاجآت الذكاء الاصطناعي....، فعقل الإنسان في دأبٍ مستمر، رغم ما يختلج في وجدانه الذي قد تفسده قيمٌ شريرةٌ انتصرت على الأخير في لحظة من اللحظات، لكن سيرة الإنسان ومستقبله لن تذكر إلا من عَمّر هذه الأرض، ومَكّن الخير فيها لإنسانها وحيوانها وجمادها.
*أستاذ بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية