بقلم الدكتور سهيل الركن، رئيس جمعية الإمارات لطب الأعصاب
والدكتور شادي إبراهيم، المدير الطبي التنفيذي لدى شركة إيلي ليلي وشركاه (ليلي الخليج – الإمارات والكويت وقطر)
عندما نتحدث عن التقدم في العمر بصحة جيدة، يتجه اهتمامنا عادة إلى صحة القلب، والقدرة على الحركة، والسيطرة على الأمراض المزمنة. لكن صحة الدماغ لا تحظى دائماً بالمكانة نفسها، رغم أن الدماغ هو الذي يحفظ ذكرياتنا، ويوجه قراراتنا، ويصوغ علاقاتنا، ويمنحنا القدرة على العيش باستقلالية.
وقد حان الوقت لتصبح صحة الدماغ جزءاً أصيلاً من هذا الحديث.
ينبغي أن تكون الحياة التي يعيشها مرضانا مليئة بالذكريات والمعاني الجميلة مع الأحباء، طموحاً لهم. كما ينبغي لنا أن نسعى إلى الحفاظ على الصحة الإدراكية وجودة الحياة طوال تلك السنوات الإضافية. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في دولة الإمارات ومنطقة الخليج، حيث تمثل الروابط الأسرية الوثيقة، واجتماع أكثر من جيل تحت سقف واحد، والاحترام العميق لكبار السن، ركائز أساسية في المجتمع.
ومن هنا، فإن الاهتمام بصحة الدماغ ليست قضية طبية منفصلة، بل جزء أساسي من رؤيتنا لحياة أطول وأكثر صحة واستقلالية.

ألزهايمر ليس جزءاً طبيعياً من التقدم في السن
قد يصبح النسيان أكثر شيوعاً مع التقدم في العمر، لكن مرض ألزهايمر ليس نتيجة طبيعية أو حتمية للشيخوخة. ألزهايمر مرض تنكسي عصبي يتفاقم تدريجياً، ويرتبط بتغيرات تحدث داخل الدماغ، من بينها تراكم لويحات بروتين «بيتا أميلويد» وتشابكات بروتين «تاو». (1)
ويمر المرض بمراحل متتابعة. فقد تبدأ التغيرات البيولوجية قبل سنوات من ظهور الأعراض الملحوظة، ثم يتطور المسار السريري من مرحلة لا تظهر فيها أعراض واضحة، إلى القصور الإدراكي البسيط، وصولاً إلى الخرف. (2) (3)
وعالمياً، يعيش نحو 55 مليون شخص مع الخرف، فيما يُقدّر عدد المصابين بمرض ألزهايمر بنحو 32 مليون شخص. (4) ولا يقتصر تأثير ألزهايمر على الذاكرة. فمع تقدم المرض، قد تتأثر اللغة، والقدرة على التفكير والاستدلال، والسلوك، والحركة، والقدرة على إدارة شؤون الحياة اليومية باستقلالية. (5)
كما أن أثر المرض لا يقع على الشخص المصاب وحده. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من سبعة من كل عشرة أشخاص مصابين بألزهايمر يعيشون في منازلهم، وأن أفراد الأسرة والأصدقاء يقدمون ما يقارب ثلاثة أرباع الرعاية التي يحتاجون إليها. (6) ولهذا، تقف خلف كل تشخيص تقريباً أسرة كاملة تعيد ترتيب حياتها وأدوارها، وتتحمل مسؤوليات متزايدة قد تكون عاطفية وجسدية ومالية.
كسر حاجز الصمت
على الرغم من تزايد أعداد المصابين واتساع أثر المرض، لا يزال الحديث عن التراجع في الذاكرة والقدرات الإدراكية صعباً بالنسبة إلى كثيرين. فقد تُفسر الأعراض على أنها جزء طبيعي من التقدم في السن. وقد يتردد الشخص أو أسرته في الحديث عنها خوفاً من نظرة المجتمع. وفي أحيان أخرى، قد تدرك الأسرة وجود تغير ما، لكنها لا تعرف متى ينبغي طلب المساعدة أو إلى أي جهة تتوجه.
وتزيد المفاهيم الخاطئة هذه المشكلة تعقيداً. فقد أظهر التقرير العالمي لألزهايمر لعام 2019 أن 62% من ممارسي الرعاية الصحية الذين شملهم الاستطلاع كانوا يعتقدون أن الخرف جزء طبيعي من الشيخوخة. كما أشار 46% من الأشخاص المتعايشين مع الخرف ومقدمي الرعاية لهم إلى أن الخوف من الوصمة الاجتماعية يشكل عائقاً أمام التشخيص. (7)
وهذه نتائج تستحق التوقف عندها. فعندما يُنظر إلى التراجع الإدراكي على أنه أمر حتمي، أو عندما يسود الاعتقاد بأنه لا يمكن فعل شيء حياله، قد يتأخر الناس في الإفصاح عن مخاوفهم أو طلب المشورة الطبية أو الوصول إلى الدعم المناسب.
ولا يعني تشجيع الحديث المبكر أن كل اسم يُنسى أو غرض يوضع في غير مكانه يستدعي القلق. كما لا يعني أن يحاول الأفراد تشخيص أنفسهم. المطلوب هو الانتباه إلى التغيرات التي تستمر أو تتفاقم مع الوقت، والتحدث عنها من دون خجل، وطلب تقييم طبي متخصص عند الحاجة.
التقدم العلمي يغيّر المشهد
ظل تشخيص ألزهايمر لسنوات طويلة مقترناً بشعور عميق بالعجز. أما اليوم، فقد بدأت التطورات في وسائل التشخيص والعلاجات المعدلة لمسار المرض تغيّر طبيعة الحوار الطبي حول ألزهايمر. (8)
ويمنحنا هذا التقدم أسباباً حقيقية للأمل، لكنه يتطلب في الوقت نفسه مسؤولية طبية كبيرة. فالخيارات العلاجية الجديدة لا تناسب جميع المرضى. ويجب أن يُتخذ أي قرار علاجي بصورة فردية، بناءً على مرحلة المرض وخصائصه البيولوجية والحالة الصحية لكل شخص، وبعد مناقشة واضحة ومتأنية للمنافع والمخاطر المحتملة.
ويضعنا التقدم العلمي أمام حقيقة مهمة: لا يكفي أن تتطور وسائل التشخيص والعلاج إذا لم تتطور معها المنظومة الصحية القادرة على تقديمها لمن يحتاج إليها.
فاستفادة المرضى المؤهلين طبياً من هذه التطورات تتطلب مسارات رعاية واضحة ومترابطة. ويجب أن يكون أطباء الرعاية الأولية قادرين على التعرف إلى المؤشرات التي تستدعي القلق وإحالة المرضى إلى المتخصصين في الوقت المناسب. كما ينبغي أن يعمل أطباء الأعصاب والشيخوخة والأشعة والطب النفسي، إلى جانب طواقم التمريض وغيرهم من المتخصصين، ضمن منظومة متكاملة تضع احتياجات المريض وأسرته في صميم الرعاية. وفي الوقت نفسه، يجب تطوير القدرات التشخيصية، وبروتوكولات المتابعة، وخدمات دعم الأسر، بالتوازي مع تطور العلم. (9) (10)
وتحظى هذه المسألة بأهمية خاصة في دولة الإمارات ومنطقة الخليج، بينما تعمل المنطقة على رسم مستقبل الشيخوخة الصحية. فالفرصة متاحة اليوم لوضع صحة الدماغ في صميم هذا المستقبل، من خلال رفع الوعي المجتمعي، وتعزيز معرفة المتخصصين، وتوفير القدرات التشخيصية المناسبة، وتحسين التنسيق في مختلف مراحل رحلة المريض.
حوار لكل مرحلة من مراحل الحياة
لا ينبغي أن يبدأ الاهتمام بصحة الدماغ عند ظهور الأعراض أو عند بلوغ سن متقدمة. فالأدلة تشير إلى أن احتمالات الإصابة بالخرف تتأثر بعدة عوامل مجتمعة، من بينها العمر، والعوامل الوراثية، والتاريخ العائلي، وبعض الحالات الصحية، إلى جانب عوامل أخرى يمكن تعديلها أو الحد من أثرها. وقد حددت لجنة «لانسيت» لعام 2024 أربعة عشر عاملاً قابلاً للتعديل، يُقدّر أنها تسهم مجتمعة في نحو 45% من حالات الخرف حول العالم. وتشمل هذه العوامل ارتفاع ضغط الدم، والسكري، وفقدان السمع، وقلة النشاط البدني، والسمنة، والتدخين. (11)
ويمثل عدد من هذه العوامل، ولا سيما ارتفاع ضغط الدم والسكري وقلة النشاط البدني، أولويات قائمة بالفعل ضمن جهود الصحة العامة في دولة الإمارات. وهذا يتيح دمج صحة الدماغ في برامج الوقاية الحالية، بدلاً من التعامل معها كقضية منفصلة. (12)
والرسالة هنا واضحة: عدد من الخيارات التي تدعم صحة القلب والجسم على امتداد العمر يمكن أن تسهم أيضاً في دعم صحة الدماغ.
فلذلك، علينا أن نشجع الناس على الاهتمام بأدمغتهم كما يهتمون بقلوبهم، وعلى النظر إلى صحة الدماغ بوصفها جزءاً أساسياً من الصحة العامة، يستحق الوعي والاختيارات المدروسة والرعاية الطبية المناسبة.
ويمثل الشهر العالمي لألزهايمر في سبتمبر من كل عام فرصة مهمة لرفع الوعي وتشجيع الحوار. لكن إحداث تغيير حقيقي يتطلب أن يتحول هذا الوعي إلى خطوات عملية ومستدامة على مستوى المجتمع والمنظومة الصحية. ومن بين الخطوات التي تستحق الدراسة وضع سياسة وطنية لصحة الدماغ، تدمج الحد من مخاطر الخرف ضمن الاستراتيجيات القائمة للوقاية من الأمراض المزمنة. كما يمكن النظر في إطلاق برنامج وطني للكشف المبكر عن التراجع الإدراكي، يتضمن إدراج فحوص ضغط الدم وسكر الدم والسمع ضمن الزيارات الدورية للرعاية الأولية. ومن المهم أيضاً العمل على إنشاء مركز تميز متخصص في الذاكرة والأمراض التنكسية العصبية في كل إمارة، على أن ترتبط هذه المراكز بمسارات إحالة واضحة ومعايير موحدة للرعاية وتبادل الخبرات.
وتحتاج الأسر إلى المعرفة والثقة لبدء الحوارات الصعبة. ويحتاج المتخصصون في الرعاية الصحية إلى التدريب والمسارات الواضحة التي تساعدهم على الاستجابة. كما تحتاج المجتمعات إلى استبدال الوصمة الاجتماعية بالفهم والدعم. أما الأنظمة الصحية، فعليها الاستعداد لمواكبة التقدم العلمي المتواصل، مع ضمان أن تظل القرارات الطبية مبنية على الأدلة ومصممة وفق احتياجات كل مريض.
فالشيخوخة الصحية لا تُقاس فقط بعدد السنوات التي نعيشها، بل أيضاً بقدرتنا على البقاء على صلة بالأشخاص والذكريات والتجارب التي تمنح تلك السنوات قيمتها.
ولهذا، فإن صحة الدماغ ليست موضوعاً جانبياً في الحديث عن التقدم في العمر، بل ركيزة أساسية لحياة أطول، وأكثر صحة، وأفضل جودة.
المراجع:
1. Alzheimer's Disease: Exploring the Landscape of Cognitive Decline – PubMe
2. World Health Organization. Dementia. 15 March 2023.
3. On the path to 2025: understanding the Alzheimer's disease continuum - PubMed
4. Alzheimer’s Society. The later stages of dementia. 2024 (last accessed September 2026)
5. Martin A, Sabbagh M. Palliative Care for Advanced Alzheimer’s and Dementia. Springer; 2010
6. Alzheimer’s Disease International. World Alzheimer Report 2019: Attitudes to Dementia. London: Alzheimer’s Disease International; 2019
7. European Brain Council and EFPIA. Rethinking Alzheimer’s Disease: Detection and Diagnosis. 2023.
8. Benzinger T. Advances in dementia research and clinical care in 2024. Lancet Neurology. 2025.
9. Belder CRS, Schott JM, Fox NC. Preparing for disease-modifying therapies in Alzheimer’s disease. The Lancet Neurology. 2023;22(9):782–783
10. Gustavsson A, Norton N, Fast T, et al. Global estimates on the number of persons across the Alzheimer’s disease continuum. Alzheimer’s & Dementia. 2023;19(2):658–670.
11. Dementia prevention, intervention, and care: 2024 report of the Lancet standing Commission - The Lancet
12. Livingston G, et al. Dementia prevention, intervention, and care: 2024 report of the Lancet standing Commission. Lancet. 2024 Aug 10;404(10452):572-628.
(مادة إعلانية)