دينا جوني (دبي)
في صالات معرض «إكسبو الشارقة» التي خُصّصت بدقة لمواكبة المتطلبات التقنية والتجريبية الدقيقة، اجتمع أكثر من 360 طالباً وطالبة، في عدد غير مسبوق في دورات أولمبياد الكيمياء الدولي، ليتنافسوا في اختبارات نظرية وتقنية، مصمّمة لاختبار ما هو أبعد من ذلك. ففي هذه المسابقة العالمية التي تستضيفها دولة الإمارات، لا تُقاس القدرات فقط بمعرفة المعادلات، بل في القدرة على التفكير النقدي، والتعامل مع المواقف الجديدة، واستخلاص الإجابات من مفاتيح غير مباشرة، ومهارات أخرى تفوق ذلك كثيراً.
وقد أجرى الطلبة المشاركون، القادمون من أكثر من 90 دولة، جولات ثقافية وترفيهية عدة نظمتها وزارة التربية والتعليم، واجتمعوا أول أمس مع مدربيهم ومع مسؤولي الفرق الذين انفصلوا عنهم تماماً خلال تأدية المنافسات، والحديث عن تحدٍّ يدركون جميعاً أنه لا يُخاض إلا من موقع الالتزام الحقيقي بالعلم.
منصّة عالمية.. ومسؤولية فردية
الدكتور عباس حسن، أستاذ الكيمياء في جامعة الإمارات، وأحد أعضاء اللجنة العلمية التي تابعت الفريق الوطني للإمارات خلال استعداده للأولمبياد، يرى في هذا النوع من المسابقات فرصة لاختبار مدى نضج الطالب علمياً. وقال: «الأسئلة هنا لا تبحث عن إجابات محفوظة، بل عن منهجية تفكير. المطلوب من الطالب أن يُفعّل كل ما اكتسبه من أدوات، وأن يتجاوز حدود المنهج الدراسي التقليدي»، وأضاف: «التحول إلى نموذج رقمي بالكامل في الامتحان النظري يتطلب من الطالب قدرة على التكيّف السريع، وهي مهارة ضرورية في مستقبل أي باحث علمي».
ويرى علي آل سالم، مدير الفريق السعودي، أن التجربة تنقل الطالب من النمط المدرسي اليومي إلى بيئة علمية مفتوحة. وقال: «جزء كبير من هذه التجربة يكشف أن الاستعداد الحقيقي لا يأتي فقط من التدريس، بل من العمل الذاتي العميق. وهذا ما لمسناه عند كثير من الطلبة الذين تميزوا رغم اختلاف خلفياتهم الأكاديمية».
ولفت آل سالم إلى أن الفريق الصيني، الذي يهيمن غالباً على الميداليات الذهبية في أولمبياد الكيمياء، قدّم للطلبة المشاركين مثالاً حياً على مفهوم الالتزام الحقيقي، إذ أوضح أفراده خلال إحدى الجلسات أنهم لا يعتمدون على المناهج الدراسية وحدها في التحضير، بل يخصصون ما يقارب عشر ساعات يومياً لدراسة الكيمياء بشكل مستقل ومنهجي. وأشار آل سالم إلى أن هذا النوع من الالتزام الذاتي الصارم، هو ما يصنع الفارق في مثل هذه المسابقات، حيث لا يكفي التحصيل المدرسي وحده. وأضاف أن الفوز في الأولمبياد لا يمرّ دون أثر، إذ تتسابق أفضل 20 جامعة في العالم لاستقطاب الفائزين لاستكمال مسيرتهم الأكاديمية، بما يعكس القيمة العلمية والمستقبلية لهذه المنافسة.
آمنة الشحي: الأولمبياد كشف لي الطريق
الطالبة الإماراتية آمنة الشحي، إحدى عضوات الفريق الوطني، خاضت اختبارات الأولمبياد بشغف لا يخلو من الترقب. ولم تكن التجربة بالنسبة لها مجرد اختبار قدرات، بل محطة فارقة أعادت خلالها ترتيب أولوياتها الأكاديمية. وتقول: «التحضير للمسابقة تطلّب منا جهداً مستمراً وتدريباً متقدماً، كان أشبه بما يتلقاه طلاب الجامعة. لم تكن الأسئلة ضمن المألوف أو المعتاد»، وقد منحها ذلك تصوراً أكثر ونضجاً عن طبيعة التخصص الأكاديمي الذي ترغب في متابعته.
وتضيف الشحي أن الأولمبياد شكّل منعطفاً حقيقياً في مسيرتها التعليمية، مؤكدة أنها حسمت قرارها بتخصص الكيمياء كنتيجة مباشرة لهذه التجربة. وقالت: «لم تكن المشاركة مجرد فرصة للتمثيل، بل كانت بيئة واقعية لاختبار الذات، والوقوف أمام أسئلة لم أعتد مثلها في الصف الدراسي. شعرت للمرة الأولى بأنني أُخضَع لتجربة تشبه إلى حد بعيد ما سيكون عليه واقعي الجامعي والمهني لاحقاً».
وترى الشحي أن الأولمبياد وضعها على عتبة الطريق الصحيح، وأضاف إلى شغفها بالكيمياء بُعداً جديداً، قائماً على الوعي والمسؤولية الشخصية، لا على التحصيل فقط. وأضافت: «تعلمت أن التميز لا يأتي فقط من الإجابة الصحيحة، بل من فهم السؤال بشكل عميق، والقدرة على التفكير المستقل. وهذا بالضبط ما أريد أن أبني عليه مستقبلي».
ما بعد المعادلات... تجربة إنسانية تتشكّل
بعيداً عن قاعات المنافسة، حملت تجربة أولمبياد الكيمياء الدولي طابعاً إنسانياً خاصاً لعدد من الطلبة المشاركين، خصوصاً من الذين يزورون الإمارات للمرة الأولى. إذ لم تكن المعادلات وحدها هي ما جمعهم، بل حالة من التفاهم العفوي، بُنيت على اهتمام مشترك، وأسلوب تفكير يتجاوز اللغة.
يقول الطالب لودفيغ غافتتسون من السويد، إن مشاركته لم تكن كما تخيّلها: «كنت أظن أن المنافسة ستكون فردية بالكامل، ولكنني وجدت نفسي فجأة في دائرة من النقاشات والصداقات الجديدة. لم نكن بحاجة إلى لغة مشتركة… الكيمياء وحدها كانت كافية لتقريبنا من بعضنا بعضاً».
أما الطالب هوغو ليتافي من سلوفاكيا، فذهب أبعد من ذلك، معتبراً أن لحظة الجلوس إلى الاختبار كانت بالنسبة له لحظة انتماء إلى جيل عالمي جديد. وأضاف: «في تلك اللحظة، شعرت بأنني لا أُجرّب حظي في مسابقة، بل أشارك في بناء مشهد علمي يعكس شغفنا المشترك. ما وجدته هنا من هدوء في المكان وشعور بالترحيب جعل التجربة أكثر تركيزاً، وأقرب إلى الواقع العلمي الذي نحلم بأن نعيشه».
ومن البرتغال، يرى الطالب دييغو سوزا أن ما بقي في ذهنه ليس فقط تفاصيل الاختبارات، بل تلك اللحظات اليومية البسيطة: التنقل، التبادل مع الزملاء، وجلسات الطعام المشتركة، وقال: «أدركت خلال هذه الأيام أن التجربة الحقيقية لا تختصرها النتائج. إنها في التفاصيل التي تتيح لك أن تتعلّم من الآخرين، وأن تعيد التفكير في أسلوبك الشخصي في التعلّم».
وأضاف زميله ليوناردو سوزا: «كان لافتاً أن يُؤخذ في الاعتبار تنوعنا الثقافي حتى في الأمور البسيطة. هذا جعلنا نشعر بأننا فعلاً ضيوف مرحّب بهم، لا مجرد مشاركين في حدث علمي».
أما الطالبان الإسبانيان ليوناردو آيريس وأفونسو بينيفيديس، فقد عبّرا عن إعجابهما بمدى الجدية التي أحاطت بالتجربة، مؤكدين أن ما عاشاه خلال أيام الأولمبياد أضاف إلى معرفتهما النظرية بعداً واقعياً: «فأن تدرس شيئاً في الصف شيء، وأن تراه مطبقاً على هذا النطاق شيء آخر تماماً. لقد خرجنا من هذه التجربة بفهم أعمق ليس للكيمياء فقط، بل أيضاً لدورنا المحتمل داخل مجتمع علمي عالمي». ولفتا إلى أن الأولمبياد أظهر بوضوح الفرق بين من يدرس الكيمياء كمنهج، ومن يعيشها كمسار فكري. «هنا، لا يكفي أن تكون جيداً في مادة الكيمياء، بل يجب أن تكون مفكراً علمياً».
نسخة استثنائية
تميّزت نسخة هذا العام من أولمبياد الكيمياء الدولي، بكونها الأكبر من حيث عدد المشاركين الذين خاضوا الاختبارات النظرية والتقنية في وقت واحد، مما تطلّب جهداً تنظيمياً واضحاً لضمان انسيابية التجربة. كما أنها المرة الأولى التي يُلغى فيها استخدام أوراق العمل المطبوعة في الاختبار النظري، حيث جرت الاستعاضة عنها ببرمجيات رقمية وأجهزة لوحية، وفّرت بيئة اختبارية حديثة للطلبة، وساعدت على تقليل الهدر الورقي، الذي يعكس التزام الإمارات بمبادئ الاستدامة.