دينا جوني (أبوظبي)
تحتفل اليوم الأسرة التربوية في دولة الإمارات، بـ«يوم المعلم العالمي»، الذي يصادف الخامس من أكتوبر، ويأتي هذا العام تحت شعار «إعادة صياغة مهنة التعليم كمهنة تعاونية»، الذي أطلقته «اليونسكو» تأكيداً على أن التعاون بين المعلمين في الفصول الدراسية، وبالفضاء الرقمي، ودوائر صنع القرار، يشكل أساساً لجودة التعليم واستدامته.
ويبرز هذا اليوم الطابع الإنساني لمهنة التعليم ودورها الحيوي في بناء النسيج الاجتماعي للمجتمعات، داعياً إلى تعزيز بيئات العمل التعاونية التي ترفع دافعية المعلمين، وتدعم استمراريتهم وتطور مهاراتهم.
وتجسد دولة الإمارات هذا التوجه من خلال سياسات راسخة ومبادرات استراتيجية رائدة تعلي من مكانة المعلم، وتجعله محور التطوير التربوي. إذ تؤمن القيادة الرشيدة بأن المعلم هو قلب المدرسة وصانع المستقبل، وأن تمكينه هو المدخل الرئيس لبناء أجيال واثقة ومتمكنة.
التدرج الوظيفي: مهنة جاذبة
في خطوة مفصلية لتعزيز استدامة المهنة، استحدثت وزارة التربية والتعليم آلية جديدة للتدرج الوظيفي؛ تهدف إلى ترسيخ البيئة الجاذبة لمهنة التعليم، وتسكين الكوادر بطريقة جديدة داخل المدارس، بما يعالج جذور غياب المسار الوظيفي الواضح.
ويواكب ذلك تعاون وثيق مع جامعات وكليات الدولة لتطوير البرامج الأكاديمية الخاصة بالتعليم، بحيث تتواءم مع النظام التعليمي القائم على الهوية الوطنية وتنمية المهارات وشخصية الطالب. كما يجري العمل على تعزيز تدفق المعلمين الإماراتيين إلى السلك التربوي عبر سياسات جذب أكاديمية مخصصة.
كما طورت الوزارة داخلياً أول نظام متكامل على مستوى الدولة مبني على الذكاء الاصطناعي، لتقييم كفاءات المعلمين والكوادر الإدارية. ويتيح النظام تشخيص التحديات الفردية لكل معلم، وتصميم خطط تدريبية وتصحيحية مخصصة، مع متابعة التطور المهني، وتقديم خطط تمكين مستمرة، بما يضمن ترقية المعلمين إلى مراحل متقدمة في مسارهم التربوي.
كما تستعد الوزارة لتطبيق مشروع تقييم الكفاءات التربوية للكوادر المدرسية خلال العام الأكاديمي الحالي، مستهدفاً أكثر من 21 ألفاً من كوادر رياض الأطفال والحلقة الأولى، ونحو 11 ألفاً من كوادر الحلقتين الثانية والثالثة، وذلك لتحديد المسارات المهنية، وتمكين المعلمين بما يتماشى مع متطلبات المنظومة التعليمية الوطنية.
وقد بدأت الوزارة تطبيق المرحلة التجريبية لتقييم الكفاءات العام الماضي، بمشاركة نحو 14 ألف معلم وتربوي، استناداً إلى كفاءات تخصصية تقوم على أربعة محاور رئيسة تجسد الأدوار التكاملية للمعلم، هي: ذو أخلاق ومسؤولية عالية، وتربوي كفؤ، وباني المستقبل، ومساهم في تنمية المجتمع. ففي محور «ذو أخلاق ومسؤولية عالية»، تبرز كفاءات ترتبط بالبعد القيمي والإنساني في المهنة، مثل دعم الرعاية والصحة النفسية، وترسيخ الأخلاق المهنية، وتجسيد الاهتمام بالثقافة وتقديرها. أما محور «تربوي كفؤ»، فيركز على الكفاءات المرتبطة بالممارسات التعليمية الفعالة، ومنها: دمج المناهج والخبرات في المواد الدراسية، وتطبيق الممارسات التربوية، ودمج ممارسات التقويم الفعالة، وتبني التعلم مدى الحياة والبحث العلمي، وترسيخ استراتيجية التدريس المتباين، وترسيخ الإدارة الفعالة للمدرسة. وفي إطار «باني المستقبل»، ينتظر من التربوي أن يغرس في الطلبة مفاهيم الابتكار التكنولوجي والأصول التربوية الراسخة، فضلاً عن تبنّي ثقافة العولمة المحلية وتمكين الجاهزية للمستقبل. أما المحور الرابع، «مساهم في تنمية المجتمع»، فيؤكد أهمية الدور المجتمعي للتربوي من خلال بناء مجتمعات الممارسات المهنية، وتعزيز الشراكة مع أولياء الأمور، وبناء الشراكات الاستراتيجية.
وأكدت وزارة التربية والتعليم استمرارها في تطوير قدرات الكوادر التربوية عبر برامج تدريبية متقدمة، شارك فيها أكثر من 23 ألف معلم ومعلمة ضمن أسبوع التدريب التخصصي الذي تنظمه لثلاث دورات خلال العام الأكاديمي للقيادات والمعلمين والوظائف الداعمة.
ويتوزع المعلمون على 530 مدرسة حكومية في مختلف إمارات الدولة، فيما شهد العام الجاري تعيين 830 كادراً تربوياً جديداً، ضمن جهود مستمرة لتوسيع قاعدة الكفاءات المؤهلة.
صوت المعلم في القرار التربوي
في إطار تعزيز المشاركة في صناعة القرار، أعلنت الوزارة إعادة تشكيل مجالس التعليم، بحيث يضم مجلس القيادات المدرسية 14 عضواً، ومجلس المعلمين 14 عضواً، ومجلس المعلمين الشباب 7 أعضاء، بما يمنح الكوادر التربوية مساحة أوسع للتعبير والمبادرة والمساهمة في تطوير السياسات التعليمية.
جوائز تحتفي بالمعلم
وتعكس منظومة الجوائز التربوية الوطنية ريادة الإمارات في تقدير المعلم وإبراز دوره التنموي. فقد رسخت «جائزة محمد بن زايد لأفضل معلم» فلسفة تربوية حديثة تنسجم مع رؤية القيادة الرشيدة في تمكين التعليم، عبر تحفيز المعلمين على الإبداع وتبني أفضل الممارسات التربوية المعاصرة. وترتكز الجائزة على خمسة معايير هي: التميز في الإنجاز، الإبداع والابتكار، التعليم المستدام، المواطنة الإيجابية، والريادة المجتمعية والمهنية. وتعد الجائزة رهاناً مستداماً على جودة التعليم وصناعة أجيال واثقة وقادرة على قيادة المستقبل.
أما «جائزة خليفة التربوية»، فتمثل منصة وطنية تعزز الإبداع والتميز في المؤسسات التعليمية داخل الدولة والوطن العربي، وتشمل مجالات التعليم العام والعالي، وأصحاب الهمم، والبحوث التربوية، والمشروعات المبتكرة، والشخصية التربوية الاعتبارية، والتعليم وخدمة المجتمع.
وتواصل «مؤسسة حمدان بن راشد آل مكتوم للأداء التعليمي المتميز» دعمها للمعلمين عبر برامج ومشروعات تحفز الابتكار وتطوير الأداء. ومن أبرز مبادراتها «جائزة حمدان - اليونسكو لتطوير أداء المعلمين»، التي تُمنح كل عامين بالتعاون مع منظمة اليونسكو، تقديراً للممارسات المبتكرة التي تسهم في تحقيق الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة المتعلق بالتعليم الجيد.
تكامل الرؤية
تتوافق جهود الإمارات مع دعوة «اليونسكو» إلى تعزيز التعاون بين المعلمين، باعتباره أساس تطوير الأنظمة التعليمية، وتحسين جودة التعلم. وفي الوقت الذي تواجه فيه مهنة التعليم تحديات عالمية تتعلق بالعزلة المهنية ونقص فرص النمو المستمر، تقدم الإمارات نموذجاً رائداً في تمكين المعلم، وتوسيع صوته المهني، وتطوير مهاراته بالذكاء الاصطناعي، وضمان بيئة جاذبة تحفزه على الإبداع والابتكار.
الإمارات نموذج في تمكين المعلم
في ظل ما تشير إليه تقارير «اليونسكو» عن عزلة المعلمين ونقص فرص التطوير المهني في عدد من دول العالم، تبرز الإمارات نموذجاً ملهماً في تمكين المعلمين عبر خطط تطويرية شاملة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، والبرامج التدريبية الفردية، والتمكين المهني المستمر.