أبوظبي (الاتحاد)
قالت الدكتورة نورة الغيثي، وكيل دائرة الصحة - أبوظبي: يقال بأن «الطبيب يبقى طبيباً مدى الحياة»، وبالنسبة لي كطبيبة أسرة، لطالما حملت هذه العبارة معنى أعمق، فعندما تكون طبيب أسرة، فإنك تبقى على صلة مستمرة بالأفراد والأسر الذين ترعاهم، قُمت مؤخراً بزيارة أحد مراكز الرعاية الأولية، التي بدأت فيها مسيرتي المهنية طبيبة أسرة.
وبين أروقة المركز، ومع لقاء بعض المرضى الذين رافقتهم في بدايات عملي، تذكرت مجدداً السبب الذي جذبني إلى هذا التخصّص منذ البداية، فالأمر لم يكن يوماً مجرد علاج لحالة مرضية، بل كان قائماً على الاستمرارية، وعلى متابعة المريض مع مرور الوقت، وفهم ليس فقط تاريخه الطبي، بل قصته الشخصية، وأسرته، وظروف حياته، وفي وقت مبكر من مسيرتي المهنية، أدركت أن هذه العلاقات الممتدة لا تمثل جانباً إنسانياً مهماً في الرعاية فحسب، بل توفّر قيمة حقيقية على مستوى الرعاية السريرية والمنظومة الصحية ككل، فعندما يعرف الطبيب مريضه جيداً مع مرور الوقت، يصبح أكثر قدرة على ملاحظة التغيرات في وقت مبكر، واتخاذ قرارات علاجية أكثر دقة، والوقاية من المضاعفات قبل حدوثها. وهنا تتحوّل الثقة من علاقة إنسانية إلى عنصر أساسي في تحسين النتائج الصحية، وهنا تكمن القوة الحقيقية للرعاية الأولية.
المنظومات الصحية
كشفت عن أنه في أبوظبي نرى هذا التحول يتجسّد على أرض الواقع، إذ يراجع اليوم 64% من سكان الإمارة مراكز الرعاية الأولية، في انعكاس واضح لتنامي الثقة بهذا النموذج الذي يضع الوقاية والكشف المبكر والاستمرارية في صميمه، ويظهر هذا التوجه أيضاً في التوسع المستمر في طب الأسرة على مستوى الإمارة. ففي عام 2026، بلغ عدد أطباء الأسرة المسجلين في أبوظبي 867 طبيباً، بزيادة قدرها 6.6% مقارنة بالعام السابق، بما يعزّز الوصول إلى رعاية صحية مجتمعية، تتمحوّر حول احتياجات الأفراد والأسر، كما نفخر بالدور المتنامي للأطباء المواطنين، الذين يشكلون اليوم 39% من إجمالي أطباء الأسرة في الإمارة، بما يعكس ليس فقط استدامة القطاع الصحي، بل أيضاً أهمية تقديم رعاية صحية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمجتمع الذي تخدمه، ولا تقف أهمية الرعاية الأولية عند تحسين النتائج الصحية، بل تمتد إلى تعزيز مرونة المنظومات الصحية وقدرتها على الصمود، وغالباً ما يرتبط مفهوم المرونة في القطاع الصحي بالقدرة على التعامل مع الأزمات. إلا أن المعيار الحقيقي للمرونة لا يقتصر على كيفية استجابة المنظومة الصحية تحت الضغط، بل يتمثّل في قدرتها على مواصلة تقديم الخدمات الأساسية والتكيف مع المتغيرات في الوقت نفسه، وهذا ما تحققه النظم الصحية التي ترتكز على الرعاية الأولية، فهي تضمن استمرارية متابعة المرضى المصابين بالأمراض المزمنة، وتحافظ على الخدمات الوقائية في الأوقات التي تشتد فيها الحاجة إليها، وتُبقي الرعاية الصحية مترابطة حتى في فترات التحديات والتغيرات.
كفاءة واستدامة
وتابعت: تشير الأدلة الدولية، بما في ذلك تحليلات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، إلى أن النظم الصحية التي تستند إلى رعاية أولية قوية أكثر قدرة على إدارة صحة السكان، وتقليل الضغط غير الضروري على المستشفيات، لاسيما في أوقات التحديات، وهذا ليس مفهوماً نظرياً، بل عنصراً هيكلياً أساسياً في بناء منظومات صحية أكثر كفاءة واستدامة، ففي الرعاية الأولية تتحوّل الوقاية إلى ممارسة عملية، ويصبح التنسيق واقعاً ملموساً، وتُبنى الثقة قبل أن تختبرها الظروف، وفي مشهد صحي يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم، يبقى طبيب الأسرة عنصراً ثابتاً يضمن بقاء الرعاية مترابطة بدلاً من أن تصبح متفرقة، واليوم، يعمل أطباء الأسرة في أبوظبي ضمن منظومة صحية أكثر تكاملاً منأي وقت مضى، تتيح الربط بين التاريخ الصحي للمريض، والرؤى السريرية، وبيانات الصحة الوقائية، بما يدعم التدخل المبكر، وتقديم رعاية أكثر دقة وتخصيصاً.