هدى الطنيجي (أبوظبي)
يُعد السرطان من أكثر الأمراض التي تتطلب رعاية صحية متقدمة وتقنيات علاجية حديثة، لذلك تحرص مستشفيات أبوظبي على توظيف أحدث الابتكارات الطبية لتقديم خدمات تشخيص وعلاج عالية الجودة.
وقد شهد قطاع الرعاية الصحية في الإمارة تطوراً كبيراً في مجال علاج الأورام، من خلال استخدام تقنيات، مثل العلاج المناعي، والعلاج الموجّه، والعلاج الإشعاعي المتطور، والجراحات الدقيقة وغيرها، حيث يسهم هذا التطور في تحسين فرص الشفاء، وتقليل الآثار الجانبية للعلاج، ورفع جودة حياة المرضى، مما يجعل أبوظبي من المراكز الرائدة في تقديم الرعاية المتخصصة لمرضى السرطان على مستوى المنطقة.
الذكاء الاصطناعي
أكد البروفيسور حميد بن حرمل الشامسي، الرئيس التنفيذي لمعهد برجيل للأورام، أن علاج السرطان يشهد تحوّلاً غير مسبوق بفضل التطورات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي والطب الدقيق والعلاجات المبتكرة، مشيراً إلى أن رحلة علاج المريض لم تَعُد تبدأ عند إعطاء الدواء، وإنما من التشخيص الدقيق الذي يحدد طبيعة الورم ويتيح اختيار العلاج الأنسب لكل حالة.
وأوضح أن معهد برجيل للأورام يواصل الاستثمار في أحدث التقنيات التشخيصية والعلاجية، بما يواكب أفضل الممارسات العالمية، ويمنح المرضى في دولة الإمارات والمنطقة فرصة الوصول إلى أحدث الابتكارات دون الحاجة للسفر إلى الخارج.
وأشار إلى أن من أبرز هذه التطورات اعتماد تقنيات الذكاء الاصطناعي في تشخيص سرطان الثدي داخل مختبرات علم الأنسجة والخلايا بمدينة برجيل الطبية، حيث تسهم الخوارزميات المتقدمة في تقييم المؤشرات الحيوية الرئيسية، مثل مستقبلات الاستروجين (ER)، ومستقبلات البروجستيرون (PR)، ومؤشر التكاثر الخلوي(Ki-67)، إضافة إلى HER2، بما يعزّز دقة التشخيص ويدعم نهج الطب الدقيق الذي يعتمد على الخصائص البيولوجية لكل ورم، ويساعد الأطباء على اختيار العلاج الأكثر ملاءمة لكل مريض.
وأضاف أن التطور في علاج الأورام لم يَعُد يقتصر على تطوير أدوية جديدة، بل يشمل أيضاً توظيف الفحوصات الجزيئية لاختيار العلاج المناسب وفق التركيبة البيولوجية للورم. وفي هذا الإطار، بدأ معهد برجيل للأورام استخدام علاج إتكاماه (كاميزيسترانت) لمرضى سرطان الثدي الإيجابي لمستقبلات الهرمونات وسلبي مستقبل HER2 ممن يحملون طفرة «ESR1»، وذلك بالاعتماد على فحص الحمض النووي الورمي المتداول (ctDNA)، ما يتيح اكتشاف مقاومة العلاج الهرموني في مرحلة مبكرة واختيار العلاج الأنسب قبل ظهور تقدم المرض، في خطوة تُعزّز تطبيق الطب الدقيق وتُحسّن النتائج العلاجية.
وأشار إلى أن المعهد حقق أيضاً إنجازاً ريادياً في المنطقة بعد أن أصبح أول منشأة طبية في دولة الإمارات والشرق الأوسط تستخدم تقنية العلاج المناعي تحت الجلد «KEYTRUDA SC»، والتي تتيح إعطاء العلاج خلال دقائق بدلاً من جلسات الحقن الوريدي التقليدية، مع الحفاظ على الفعالية العلاجية، الأمر الذي يسهم في تقليل مدة بقاء المرضى داخل مراكز العلاج وتحسين تجربتهم ورفع كفاءة الخدمات المقدمة.
وأوضح أن من أحدث التقنيات العلاجية التي يوفّرها المعهد أيضاً «مضخة الشريان الكبدي»، والتي تُستخدم لإيصال العلاج الكيميائي مباشرة إلى الشريان المغذي لأورام الكبد أو النقائل الكبدية، بما يسمح بإعطاء تركيزات علاجية مرتفعة داخل الورم مع الحدّ من وصول الدواء إلى بقية أعضاء الجسم، وهو ما يرفع فرص السيطرة على المرض لدى المرضى المناسبين لهذا النوع من العلاج.
نموذج متكامل
قالت الدكتورة عايدة العوضي، استشاري طب الأورام ورئيس قسم الأورام وأمراض الدم، في مدينة الشيخ شخبوط الطبية: «في مدينة الشيخ شخبوط الطبية، ندرك أن السرطان ليس مجرد تشخيص طبي، بل رحلة إنسانية تتطلب دعماً متواصلاً يبدأ من التشخيص ويمتد إلى العلاج والتعافي وما بعده، لذلك نحرص على تقديم نموذج رعاية متكامل يجمع بين الخبرات السريرية المتخصصة، والتقنيات العلاجية المتقدمة، والرعاية الإنسانية الشاملة، ضمن فريق متعدد التخصصات يضم خبراء في طب وجراحة الأورام، وأمراض الدم والأورام الدموية، والعلاج الإشعاعي، وعلم الأمراض، والأشعة، والرعاية التلطيفية ودعم مرضى الأورام».
وأضافت: «كما نوفر أحدث الحلول التشخيصية والعلاجية، بما يشمل العلاجات الموجّهة والمناعية، والعوامل البيولوجية الحديثة، والجراحة الروبوتية، والعلاج الإشعاعي التجسيمي، إلى جانب خدمات الطب النووي وتقنيات التصوير المتقدمة، بهدف تقديم رعاية دقيقة وشاملة لكل مريض».
جراحات متقدمة
ومن جانبه قال الدكتور حسام مرعشي، استشاري طب الأورام في مستشفى توام – صحة: بالنسبة لكثير من المرضى وعائلاتهم، قد يكون تشخيص الإصابة بالسرطان بداية لرحلة مليئة بالقلق والخوف من المجهول، إلا أن التقدم الكبير في الخدمات الطبية خلال السنوات الأخيرة أسهم في جعل هذه الرحلة أكثر وضوحاً، وفتح آفاقاً أوسع للأمل، من خلال ارتفاع فرص العلاج، وتحسن جودة الحياة، وتوفير رعاية صحية أكثر دقة وشمولية.
وذكر أنه تطورت رعاية مرضى السرطان بشكل كبير مقارنة بالماضي، إذ أسهمت التقنيات الطبية الحديثة والمبتكرة في تعزيز القدرة على تشخيص المرض بدقة أكبر، وتحديد مراحله بصورة أوضح، واختيار العلاج الأنسب لكل مريض وفق حالته واحتياجاته الخاصة، بدلاً من اتباع نهج علاجي موحد لجميع المرضى.
وأشار إلى أنه تقوم رحلة علاج مريض السرطان على أربع مراحل رئيسية، تبدأ المرحلة الأولى بالتشخيص Diagnosis، أما المرحلة الثانية، تحديد مرحلة المرض بدقة، أو ما يُعرف طبياً بالـ Staging، وتشمل هذه المرحلة إجراء مجموعة من الفحوصات والاختبارات، التي تساعد الفريق الطبي على فهم طبيعة المرض ومدى انتشاره، والثالثة باختيار الخطة العلاجية الأنسب، أما المرحلة الرابعة، فتتمثل في المتابعة والوقاية والكشف الدوري، من خلال الفحوص المنتظمة التي تساعد على تأكيد الاستجابة للعلاج ومتابعة حالة المريض بعد انتهاء الخطة العلاجية.
الذكاء الاصطناعي
وذكر أنه في مجال الذكاء الاصطناعي، بدأنا بالفعل توظيف هذه التقنيات في عدة مجالات داخل المستشفى، من بينها دعم تحليل البيانات الطبية وتعزيز كفاءة سير العمل السريري ضمن الأنظمة الإلكترونية المعتمدة، كما تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي في علم الأمراض والطبّ المخبري، لا سيما في تحليل الشرائح النسيجية الرقمية، بما يسهم في دعم دقّة التشخيص وتسريع الوصول إلى النتائج، وخلال المرحلة المقبلة، نتوقع توسّع استخدام الذكاء الاصطناعي في التصوير الطبي، وتحليل الحالات المعقّدة، وتوفير معلومات داعمة للفريق المعالج، بما يساعد على الوصول إلى القرار العلاجي الأنسب بمزيد من الكفاءة والدقة.
وأضاف: كما نستخدم تقنيات متقدمة في علاج الأورام بالأشعة، من بينها العلاج الإشعاعي التكيفي، الذي يتيح تعديل جرعات الإشعاع وخطة العلاج أثناء الجلسات وفق التغيرات اليومية في موضع الورم أو الأعضاء المحيطة وحالة المريض. ويساعد هذا النهج على تعزيز دقّة العلاج وتقليل تعرّض الأنسجة السليمة للإشعاع، بما يَحدُّ من الآثار الجانبية المحتملة، ويسهم في تحسين جودة حياة المرضى.
دقة العلاج
وقال الدكتور باسل جلاد، استشاري في طب الأورام بمعهد الأورام في كليفلاند كلينك أبوظبي: في كليفلاند كلينك أبوظبي، نحرص على تقديم أحدث ما توصّل إليه الطبّ في علاج الأورام، ضمن نموذج رعاية شامل ومتكامل ومتعدّد التخصصات، ويجمع فريقنا بين الخبرات السريرية المتقدمة وعلاجات السرطان القائمة على الأدلة، بما في ذلك العلاج الكيميائي، والعلاج المناعي، والعلاج الموجّه، والعلاج الهرموني، إضافة إلى طبّ الأورام الدقيق القائم على التسلسل الجيني والعلاج الموجّه بالعلامات الحيوية، بما يتيح تصميم خطة علاجية مخصّصة لكل مريض.
وذكر أن مركز فاطمة بنت مبارك في كليفلاند كلينك أبوظبي يُعد نموذجاً متقدماً للرعاية الشاملة للمرضى المصابين بالسرطان، إذ يجمع تحت سقف واحد خدمات التشخيص المتقدم، والتصوير الطبي، والجراحة، وطبّ الأورام، وعلاج الأورام بالأشعة، والعلاجات الدوائية، إلى جانب الرعاية التلطيفية والداعمة، والدعم النفسي والسلوكي، والتغذية، وإعادة التأهيل، ورعاية الناجين من السرطان، ويسهم هذا التكامل في تسهيل رحلة المريض وتسريع اتخاذ القرار العلاجي من خلال فرق متعدّدة التخصصات تعمل ضمن منظومة رعاية منسّقة وقائمة على الأدلة.
وأشار إلى أن مشروع إطلاق منشأة العلاج بالأيونات الثقيلة في أبوظبي، يمثّل نقلة نوعية في علاج الأورام على مستوى المنطقة، فهذه التقنية المتقدمة، وهي أحد أشكال العلاج الإشعاعي بالجسيمات، تتيح استهداف الأورام بدقة عالية مع الحد من الضرر الذي قد يلحق بالأنسجة السليمة المحيطة، الأمر الذي قد يكون مهماً في بعض الأورام المعقّدة أو المتكررة أو المقاومة للعلاجات التقليدية، ومن شأن إطلاق هذه المنشأة أن يُعزز مكانة أبوظبي ضمن المراكز العالمية المتقدمة في علاج الأورام.
رحلة العلاج
وقال مرعشي: من خلال الممارسة اليومية في قسم الأورام بمستشفى توام، التابع لـ«صحة»، تبرز أهمية الأمل في رحلة العلاج، وأهمية برامج الكشف المبكر في تحسين فرص الشفاء، وتوفر «صحة» برامج متقدمة للكشف المبكر عن أنواع مختلفة من السرطان، ومن بينها برنامج الكشف المبكر عن سرطان الثدي، حيث يتم استخدام تقنيات تصوير حديثة، مثل التصوير الشعاعي للثدي بتقنية tomosynthesis، بالتعاون مع فريق الأشعة التشخيصية وأطباء جراحة الثدي.
وأضاف: كما يتم توظيف برامج إلكترونية متطورة تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، بما يسهم في رفع دقة التشخيص، إلى جانب استخدام التصوير بالموجات فوق الصوتية والرنين المغناطيسي عند الحاجة، للحصول على قياسات دقيقة وصور أكثر وضوحاً، ويتم أخذ العينات من الأنسجة بعناية ودراستها من قِبل فريق متخصص في قسم التشريح المرضي ضمن منشآت «صحة»، حيث يتم تصنيف الخلايا المرضية بدقة، بما يساعد الأطباء على اختيار أفضل مسار علاجي لكل حالة، إذ إن لكل نوع من الخلايا السرطانية خصائصه وطريقة العلاج المناسبة له.