هدى الطنيجي (أبوظبي)
في أبوظبي، لا تبدأ صحة الأسرة عند زيارة الطبيب، بل قبل ذلك بكثير. فعندما يفكر شاب في الزواج، أو تستعد أمٌّ لاستقبال مولودها الأول، أو يخطّط أبٌ لمستقبل أطفاله، يجدون منظومة صحية متكاملة ترافقهم في كل مرحلة من حياتهم، وفي ظل عام الأسرة 2026، تعزّز دائرة الصحة – أبوظبي، هذا النهج، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن بناء مجتمع قوي يبدأ بأسرة صحية، وأن الوقاية المبكرة والاستعداد للمستقبل هما أساس جودة الحياة.
في عالم تتزايد فيه التحديات الصحية المرتبطة بأنماط الحياة والأمراض المزمنة، لم تَعُد صحة الأسرة مسألة فردية، بل مسؤولية مجتمعية تتطلب منظومة صحية قادرة على التنبؤ بالمخاطر، وتمكين الوقاية، والتحرك بسرعة للعلاج واستعادة الصحة. ولهذا تبنّت دائرة الصحة – أبوظبي نموذجاً متكاملاً يرتكز على أربع ركائز مترابطة: الوقاية والاستباقية، جودة رعاية بين الأفضل عالمياً، توظيف الابتكار، وتعزيز الجاهزية والاستجابة.
رحلة الصحة
تضع أبوظبي الوقاية في مقدمة أولوياتها، إيماناً بأن التدخل المبكر يحمي صحة الأجيال القادمة. ولهذا تم إدراج فحوصات جديدة تُعنى بصحة الأسرة ضمن برامج الفحص الدوري الشامل «افحص» الذي يبدأ من عمر 18 عاماً، بما في ذلك فحوصات الصحة الإنجابية للشباب والشابات، لتمكينهم من اتخاذ قرارات صحية واعية في مختلف مراحل حياتهم.
كما تمّ إدراج الفحوصات الجينية ضمن برنامج الفحص ما قبل الزواج للمواطنين المقبلين على الزواج، لتمكينهم من اتخاذ قرارات صحيّة مبنيّة على المعرفة، وحماية أطفالهم من أمراض وراثية يمكن الوقاية منها. ويغطّي الاختبار أكثر من 570 جيناً مرتبطاً بما يزيد على 840 حالة طبية، ما يعزّز قدرة المجتمع على الكشف المبكر وتقليل المخاطر الصحية المستقبلية.
ولا تتوقف الرحلة عند الزواج، بل تمتد إلى دعم رحلة الإنجاب، حيث تواصل أبوظبي ترسيخ مكانتها في مجال صحة المرأة والطفل، من خلال منظومة متكاملة تشمل تقنيات المساعدة على الإنجاب، التي تسجّل معدلات نجاح من بين الأعلى عالمياً، مدعومة بأُطر تنظيمية راسخة واستثمار مستمر في البحث العلمي والابتكار.
اللحظة الأولى
مع ولادة الطفل، تستمر المنظومة الصحية في مرافقة الأسرة عبر برنامج الفحوصات الجينية للمواليد الجُدد، الذي يُعد من بين الأكثر شمولاً عالمياً، إذ يكشف عن أكثر من 815 حالة وراثية يمكن علاجها. ويسهم هذا البرنامج في الكشف المبكر عن حالات قد لا تظهر أعراضها عند الولادة، لكنها تؤثر على صحة الطفل مستقبلاً، ما يتيح التدخل المبكر وتحسين جودة الحياة.
كما أطلقت دائرة الصحة – أبوظبي برنامج الرعاية المتكاملة بعد الولادة، الذي يجمع بين الزيارات المنزلية والاستشارات عن بُعد والرعاية في العيادات الخارجية، لضمان حصول الأمهات على الدعم الطبي والنفسي خلال مرحلة ما بعد الولادة، بما يعزّز صحة الأم والطفل معاً.
أسرة أكثر صحة
ولاحتياجات الأسرة اليومية تقدم شبكة الرعاية الصحية الأولية، التي تضم 818 طبيب أسرة يعملون في 237 منشأة في الإمارة، رعاية شاملة وشخصية تعتمد على علاقة طويلة الأمد بين الطبيب وأفراد الأسرة. وتشمل هذه الخدمات التطعيمات والفحوصات الدورية والتثقيف الصحي والدعم النفسي وإدارة الأمراض المزمنة، ما يعزّز الوقاية ويحسن النتائج العلاجية.
مسؤولية مشتركة
ولأن الأسرة الصحية تُبنى بعادات صغيرة تصنع فرقاً كبيراً، يأتي مهرجان الصحة في أبوظبي ليكون احتفالاً مجتمعياً بأسلوب الحياة الصحي، يترجم الوعي إلى ممارسات يومية من خلال أنشطة تعليمية وتفاعلية تركّز على أربعة محاور رئيسية: الحركة، التغذية، النوم، والرفاه النفسي. ويهدف المهرجان الذي استقطب في نسخته الأولى أكثر من 47000 فرد إلى تمكين العائلات من تبنّي عادات وقائية ومستدامة، ضمن إطار استراتيجية الحياة الصحية في أبوظبي التي تسعى إلى جعل الخيارات الصحية أسهل وأقرب إلى المجتمع.
رعاية عالمية المستوى عند الحاجة
إلى جانب الوقاية، تعمل دائرة الصحة – أبوظبي مع شركائها لضمان توفير خدمات متخصصة عبر أكثر من 3800 منشأة صحية، إلى جانب اعتماد مراكز تميّز في مجالات سريرية متقدمة تشمل جراحة القلب للبالغين والأطفال وزراعة نخاع العظم وزراعة الأعضاء المتعددة وعلاج الحروق والسكتة الدماغية. كما يجري إنشاء مدينة متخصّصة في طب المرأة والطفل، لتكون إضافة نوعية إلى منظومة الرعاية الصحية المتقدمة في الإمارة.
ويسهم برنامج الأطباء الزائرين في استقطاب خبرات طبية عالمية، ما يتيح تقديم رعاية متقدمة داخل الإمارة، ويعزّز نقل المعرفة وبناء القدرات المحلية.
ابتكار يخدم الأسرة
تُوظِّف أبوظبي أحدث التقنيات لتمكين الأفراد من إدارة رحلتهم الصحية بسهولة. ومنصة «ملفّي» لتبادل المعلومات الصحية تغطي معظم منشآت الرعاية الصحية في الإمارة، وتتيح للأطباء الوصول إلى بيانات المرضى بسرعة ودقة، بما يدعم اتخاذ قرارات علاجية أفضل. كما توفّر المنصة تقارير الصيدلة الجينية وملفات تقييم المخاطر المدعومة بالذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالأمراض المزمنة. ولتعزيز تجربة الأسرة الصحية، أطلقت دائرة الصحة – أبوظبي تطبيق «صحتنا»، الذي يوفّر منصة موحدة لحجز المواعيد والاستشارات عن بُعد، والوصول إلى السجلات الطبية وربط ملفات أفراد الأسرة، وتم دمجه ضمن منصة «تم» لتسهيل الوصول إلى الخدمات الصحية ضمن حياة الناس اليومية.
جاهزية تحمي الأسرة
في أوقات الطوارئ، تعزّز أبوظبي جاهزية منظومتها الصحية عبر خدمات طارئة تعمل على مدار الساعة، ومركز عمليات طبية موحّد ينسق الاستجابة الصحية وإدارة الموارد بين مختلف مقدّمي الرعاية، بما يضمن سرعة الاستجابة واستمرارية تقديم الخدمات في مختلف الظروف.
أسرة أكثر صحة
بهذا النهج الشامل، تواصل دائرة الصحة – أبوظبي بناء منظومة صحية لا تكتفي بعلاج المرض، بل تسعى إلى تعزيز الصحة وجودة الحياة، عبر مرافقة الأسرة في كل خطوة من رحلتها، من أول قرار إلى مراحل الحياة المختلفة. وفي عام الأسرة 2026، تؤكد أبوظبي التزامها بأن تكون صحة الأسرة محور التنمية، وأن الاستثمار في الوقاية والابتكار والجاهزية هو الطريق نحو مجتمع أكثر صحة واستدامة للأجيال القادمة.