على الرغم من التباينات (المعروفة والمفهومة) التي لا تنتهي بين الولايات المتحدة والصين، إلا أن التهدئة المستمرة بين أكبر اقتصادين في العالم، تساهم في تخفيف الاضطرابات الاقتصادية على الساحة العالمية بشكل عام. توجه بكين المعلن، يبدو واضحاً بالفعل، وهو يصب في السعي لما يمكن وصفه بـ «طي صفحة» الخلافات التجارية، ليس فقط مع واشنطن، بل مع بقية الدول ولاسيما الغربية منها. التوجه الحالي لخصه رئيس الوزراء الصيني لي تشيانج أخيراً، بتعهد بات مقبولاً جداً من الجانب الأميركي على وجه الخصوص، يتعلق بمواصلة بكين الانفتاح على الشركات الأجنبية، بمعنى آخر، العمل على إحداث المزيد من التوازن التجاري مع الشركاء في الساحة الدولية. والذي يدعم هذه الأجواء، التراجع الملموس لزخم المعارك التجارية، التي استعرت مع وصول الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الأبيض.
يبدو واضحاً أيضاً، أن الحراك الصيني الراهن، يمضي قدماً في نطاق استيراد المزيد من السلع الأجنبية، وصفتها بعض المصادر في بكين بـ «عالية الجودة»، بعد أن حقق الاقتصاد المحلي فائضاً تجارياً قياسياًِ العام الماضي بلغ 1.2 تريليون دولار. هذه التوجهات تدفع المشاورات المباشرة وغير المباشرة بين الصين من جهة، والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى إلى الأمام، لكن الجانب الأكثر حساسية يبقى بين أكبر اقتصادين عالمياً. الساحة الدولية، تحتاج اليوم وبشدة ليس فقط الحفاظ على التهدئة الراهنة، بل البناء عليها، لإزالة كل الخلافات المولّدة للمعارك والحروب والمواجهات التجارية، التي بلغت حدوداً هزت في الأشهر الماضية الاقتصاد العالمي، وهو في خضم مروره بمرحلة تعافٍ من أزمات متعددة انفجرت مطلع العقد الحالي.
كل المؤشرات تدل على أن المحادثات الأميركية الصينية، ولا سيما تلك التي تجري في باريس، ستنقل الأوضاع من حالة «التهدئة»، إلى مرحلة متقدمة، يسعى لها الطرفان. ولا شك في أن اللقاءات المرتقبة قبل نهاية هذا العام بين ترمب ونظيره الصيني شي جين بينج، سواء خلال قمة «مجموعة العشرين» بالولايات المتحدة، أو في قمة «آيبك» بالصين، بالإضافة طبعاً إلى الزيارة المحورية للرئيس الأميركي إلى بكين ستمنح المزيد من قوة الدفع، لتفاهمات لا تخص الطرفين مباشرة، بل ترتبط بالحراك الاقتصادي العالمي ككل.