آخر ما ترغب به البنوك المركزية حول العالم «ولا سيما الغربية منها»، العودة إلى أسعار الفائدة، بعد فترة طويلة من «النضال» لخفضها، لكن المؤشرات كلها تدل على أن الرجوع إلى زمن التشديد النقدي، يمكن أن يحدث في وقت قريب، خصوصاً إذا ما طال أمد المواجهة الراهنة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في المنطقة. المخاطر على الساحة العالمية كبيرة، وحرب تأتي بعد الاضطرابات الاقتصادية التي جلبتها جائحة كورونا مطلع العقد الحالي، يعني أن الاقتصاد العالمي سيصاب بصدمة، والتعافي في مرحلة لاحقة لن يكون سهلاً، بالإضافة إلى أنه لن يأتي سريعاً. وهنا، تبرز على الساحة مسائل تتعلق بالفائدة والتضخم والنمو، وسلاسل التوريد المرتبطة بكل شيء تقريباً، من الطاقة إلى سلة الخضروات.
تتفق بنوك مركزية محورية، مثل الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، والبنك الأوروبي، وبنك إنجلترا، على أن المواجهة الراهنة، سيكون لها أثر مباشر على التضخم، وبالتالي سيتأثر النمو سلباً بصورة تلقائية. أسعار الطاقة المتزايدة رفعت أسعار غالبية السلع، إلى جانب بدء اضطراب سلاسل الإمداد المختلفة، وزيادة تكاليف الشحن من جهة رفع التأمين. ناهيك على زيادات حادة لتذاكر السفر بكل أنواعها، حتى أن الارتفاع شمل أسعار الأسمدة المهددة بتراجع إمداداتها في الفترة المقبلة. أسعار المواد الغذائية ضربت الأسواق حول العالم، وكانت الأسرع في وصول التأثيرات السلبية إليها وهذا طبيعي إلى ما نظرنا إلى خريطة شبكة التوريد عالمياً.
أمام هذه المعطيات وغيرها، يمر المشرعون الماليون بمرحلة حرجة للغاية، من جهة تعاطيهم مع مستويات تكاليف الاقتراض، هؤلاء يسعون بالفعل لمستويات فائدة أقل، لدفع حراك النمو إلى الأمام، وتوفير أكبر عدد ممكن من فرص العمل، وسد الفجوات التي أحدثتها أزمات سابقة، لا تزال آثارها موجودة على الساحة حتى الآن. رفع الفائدة لا مفر منه، إذا لم يحدث انفراجاً في المواجهة الحالية، أو حسمها. حتى أنه يمكن الاعتقاد، بأن مواجهة طويلة، قد تخلق أزمة اقتصادية عالمية، مشابهة لتلك الأزمات التي مر بها العالم في العقود القليلة الماضية، لا أداء اقتصادياً عالمياً طبيعياً، إلا في ظل الاستقرار الذي لا يزال مفقوداً.