حسناً، المؤشرات الأخيرة للنمو العالمي جيدة، لكن تبقى في النهاية غير مضمونة، طالما ظلت المؤثرات السلبية على الاقتصاد الدولي موجودة على الساحة، بما في ذلك التوترات الجيوسياسية التي باتت جزءاً أصيلاًَ من المشهد العام منذ مطلع العقد الحالي. النمو «يتحدى» هذه المؤثرات في الوقت الراهن، كما يروق القول للبعض، خصوصاً إذا ما بقي عند حدود 2.9%، بحسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بل إنها تتوقع أن يصل إلى 3% في العام المقبل. هل هذا تفاؤل مبالغ فيه؟ أم أنه يعكس حقيقة ما يجري على الساحة عموماً؟ هو الآن مزيج من هذا وذاك، من دون ضمانات بالطبع باستقراره عند تلك الحدود، الذي رفعها صندوق النقد الدولي إلى 3.4% في السنة المقبلة!
صحيح أن المساعدات الحكومية أسهمت بقوة في تخفيف حدة ارتفاع أسعار الطاقة حول العالم، لكن تبعات المواجهات الجيوسياسية ولا سيما في الشرق الأوسط وما بين روسيا وأوكرانيا، لا تزال موجودة، بل استعرت في الآونة الأخيرة على الجبهة الأخيرة، بما عطل مزيداً من الإمدادات. وبالرغم من أن الاستثمارات القوية في مجال الذكاء الاصطناعي عززت النمو في الوقت الراهن، غير أن الضغوط التضخمية على المستوى العالمي، أجبرت المشرعين في الاقتصادات الكبرى، على مواصلة التشديد النقدي، ما يؤثر سلباً بالطبع على وتيرة النمو المأمولة. يضاف إلى ذلك أن المساعدات الحكومية التي تم ضخها في الفترة الماضية تأتي في ظل مستويات دين تاريخية، حتى أنها فاقت حجم الناتج المحلي الإجمالي لغير بلد.
لو صدقت التوقعات بوصول النمو إلى 3% وما فوق العام المقبل، يعني أن الاقتصاد العالمي بدأ التعافي حقاً، ومع ذلك سيبقى مساره مرتبطاً بالصراعات، و«التنازع» الاقتصادي «الحمائي»، الذي لا تبدو له نهاية قريبة. فحتى القمة الأخيرة التي انتظرها العالم بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والصيني شي جين بينج، تقدمتها المظاهر وليس المضمون. لن يستقر الاقتصاد العالمي، بلا نمو أكثر استدامة، من دون خضوعه للمؤثرات، بصرف النظر عن مستوياته. الانخفاض التدريجي لأسعار الطاقة يبقى الخبر الذي يتمنى الجميع استمرار حضوره لتحقيق النمو، لكن من يضمن عدم التصعيد في المواجهات المختلفة؟