أكد باحثون أميركيون أنهم وجدوا طريقة جديدة للكشف عن أمراض غير مرئية في الدماغ باستخدام الذكاء الاصطناعي.
من الحقائق المقلقة حول التصلب المتعدد أن الجزء من الدماغ الذي يُرجّح أن يكشف الكثير عن المرض وتأثيره على المريض، ظلّ خفيًا عن الأطباء.
من المعروف، منذ زمن طويل، أن المادة الرمادية في الدماغ تلعب دورًا محوريًا في تطور التصلب المتعدد والضعف الإدراكي، ولكن نظرًا لأن التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) لم يكن قادراً إلا على اكتشاف الآفات في المادة البيضاء، ولم يكن لدى الأطباء ولا الباحثين طريقة لاكتشاف أو مراقبة آفات المادة الرمادية (القشرية).
ورغم أن العديد من الأدوية الجديدة، التي طُوّرت في العقد الماضي، قادرة على إبطاء تطور المرض بشكل ملحوظ، إلا أنها تعمل في المقام الأول على تقليل آفات المادة البيضاء.
والآن، في ورقة بحثية نُشرت في مجلة "كوميونيكيشنز ميديسين" (Communications Medicine)، أفاد فريق بحثي بقيادة جامعة بافالو في الولايات المتحدة أنه وجد طريقة لاستخدام الذكاء الاصطناعي للكشف عن هذه الآفات غير المرئية، وذلك من خلال مراجعة صور الرنين المغناطيسي الموجودة.
يؤكد الباحثون على الأهمية البالغة للتمكن أخيرًا من رؤية ما يُعرف بأنه أحد أهم مؤشرات تطور مرض التصلب المتعدد.
يقول الدكتور روبرت زيفادينوف، المؤلف الرئيسي للدراسة، والأستاذ المتميز في قسم طب الأعصاب بجامعة ولاية نيويورك، ومدير مركز بوفالو لتحليل التصوير العصبي في كلية جاكوبس للطب والعلوم الطبية الحيوية بجامعة بوفالو "إن اكتشاف آفات كانت غير مرئية سابقًا في فحوصات التصوير بالرنين المغناطيسي التقليدية له آثار بالغة الأهمية على أبحاث التصلب المتعدد والرعاية السريرية". ويضيف "إن القدرة على رؤية هذه المؤشرات الخفية لتطور مرض التصلب المتعدد، بما في ذلك الضعف الإدراكي والإعاقة، لأول مرة، تُعدّ تقدمًا هامًا".
على الرغم من أن دور الآفات في التصلب المتعدد معروف منذ تشخيص المرض تقريبًا في أواخر القرن التاسع عشر، إلا أنها لم تُدرج ضمن معايير التشخيص إلا في القرن الحادي والعشرين. وحتى بعد إدراجها، لوحظ أن استخدامها سيكون محدودًا للغاية نظرًا للإمكانيات التصوير بالرنين المغناطيسي السريري.
اقرأ أيضا... الذكاء الاصطناعي يساعد في تطوير ضمادات دوائية
أضرار لم تكن ظاهرة
يقول الدكتور مايكل ج. دوير، المؤلف الأول للدراسة، والأستاذ المشارك في علم الأعصاب والمعلوماتية الطبية الحيوية في كلية جاكوبس "شعرنا جميعًا بإحباط شديد، لعلمنا بوجود هذه الآفات، ولكن دون القدرة على رؤيتها". ويضيف "هناك الكثير من الأضرار المستمرة التي تحدث في التصلب المتعدد، والتي لا يمكن رؤيتها بالتصوير بالرنين المغناطيسي التقليدي، ولكن أخصائيي علم الأمراض النسيجية أثبتوها بوضوح لعقود من الزمن على أنسجة ما بعد الوفاة".
ويتابع "ما حققه هذا التعاون يُعد قصة نجاح حقيقية لتطبيق الذكاء الاصطناعي في المجال الطبي. أصبح بإمكاننا الآن الوصول إلى هذه البيانات القيّمة للغاية من صور الرنين المغناطيسي، والتي كانت موجودة ولكن لم يكن بالإمكان رؤيتها إلا باستخدام الذكاء الاصطناعي لاستخراجها".
اعتمد الباحثون في دراستهم على تقنيات الذكاء الاصطناعي التي استخدموها، والتي صُممت لاستخلاص معلومات حيوية من العلاقات بين صور متعددة لا يمكن رؤيتها في صورة واحدة.
جمع الباحثون بين تقنيات متعددة لمعالجة الصور، بما في ذلك تقنية جديدة طوروها تُسمى MMCLE، أو تحسين آفات القشرة الدماغية متعدد الوسائط. ثم طبقوا هذه التقنيات على صور الرنين المغناطيسي من تجربة ORATORIO السريرية واسعة النطاق، وهي دراسة سريرية من المرحلة الثالثة تخضع لموافقة إدارة الغذاء والدواء الأميركية، وتُعنى بدواء التصلب المتعدد "أوكريليزوماب" (Ocrelizumab)، وشملت أكثر من 700 مشارك.
وجد الباحثون أنه بينما كشفت الصور الفردية لدماغ المريض عن آفات المادة البيضاء في الغالب، فإنه بمجرد تطبيق أساليب معالجة الصور القائمة على الذكاء الاصطناعي على صور متعددة ذات تباين مختلف، تمكنوا من رؤية ما بين 15 إلى 20 آفة لكل مريض، أي أكثر من 11000 آفة لمجموعة البيانات بأكملها.
يقول الدكتور دوير "إذا نظرت إلى الأصل في عمليات المسح الضوئي، لا يمكن عادةً رؤية الآفات القشرية، لكن الذكاء الاصطناعي التوليدي يتمتع بقدرة فائقة على التمييز بين صور الرنين المغناطيسي واكتشاف الفروقات الدقيقة بينها. وبفضل قدرته على رصد هذه الاختلافات الطفيفة، يستطيع الذكاء الاصطناعي الكشف عن وجود خلل ما، وأن النسيج لا يتصرف كنسيج سليم. تستطيع النماذج المدربة معالجة صور الرنين المغناطيسي المتعددة معًا ودمجها، واستخلاص ما كان مفقودًا".
يشير الدكتور زيفادينوف إلى أن التعاون بين أشخاص يتمتعون بتنوع واسع في وجهات النظر هو ما ساهم في نجاحهم.
ويؤكد "سيكون لهذا العمل، الذي كشف عن وجود العديد من الأمراض غير المرئية في الدماغ، تأثير هائل على مراجعة بيانات التجارب السريرية السابقة، وكذلك على التجارب المستقبلية".
مصطفى أوفى (أبوظبي)