طوّر باحثون من جامعة كارنيغي ميلون ومركز UPMC خوارزمية تعتمد على تعلّم الآلة، يمكنها تحليل المشيمة بعد الولادة بسرعة ورصد مؤشرات حيوية مرتبطة بتسمم الحمل، بما يساعد اختصاصيي علم الأمراض على تحديد الحالات التي تستدعي مراجعة متخصصة.
ويُعد تسمم الحمل (Preeclampsia) أحد أبرز أسباب الوفيات المرتبطة بالحمل. وحتى بعد ولادة سليمة، قد تغادر الأم وطفلها المستشفى وهما بصحة جيدة، ثم تظهر على الأم بعد أيام أو أسابيع علامات اضطراب ارتفاع ضغط الدم المرتبط بفترة ما بعد الولادة.
ويمكن أن يوفر فحص المشيمة بعد الولادة مؤشرات مهمة على المضاعفات التي حدثت أثناء الحمل، كما يساعد في تحديد المخاطر المستقبلية. ومن بين هذه المؤشرات اعتلال الأوعية الدموية الساقطية (Decidual Vasculopathy)، وهو مرض يصيب الأوعية الدموية للأم في المشيمة، ويرتبط عادةً بتسمم الحمل الذي يظهر بعد الولادة.
لكن هناك نقص حاد في اختصاصيي علم الأمراض المحيطين بالولادة، المدربين على إجراء الفحوص الروتينية للمشيمة، ما يعني أن أقل من 20% من المشائم في الولايات المتحدة تخضع للفحص بعد الولادة.
ولتسريع هذه العملية، وبهدف الوصول مستقبلًا إلى فحص جميع المشائم بحثًا عن علامات المرض، طوّر باحثون في قسم الهندسة الميكانيكية بجامعة كارنيغي ميلون وقسم علم الأمراض في مركز UPMC خوارزمية تعتمد على تعلّم الآلة، يمكنها تحليل صور المشائم وتحديد الأوعية الدموية التي تظهر عليها مؤشرات مرتبطة بالمرض، بما يساعد اختصاصيي علم الأمراض على تحديد المناطق التي تستدعي مزيدًا من الفحص. ووفقًا لتقرير نشره موقع Medical Xpress، تهدف التقنية إلى تسريع عملية الفحص وتوجيه المختصين إلى الحالات التي تحتاج إلى مراجعة أكثر دقة.
رصد التغيرات في الأوعية الدموية
يركز اختصاصيو علم الأمراض، ضمن الفروق البيولوجية التي يبحثون عنها، على الخلايا الأرومية المغذية خارج الزغابات (Extravillous Trophoblast Cells – EVT)، وهي خلايا تساعد على إعادة تشكيل الأوعية الدموية للأم لضمان وصول كمية كافية من الدم إلى المشيمة والجنين النامي.
وفي الأوعية المصابة باعتلال الأوعية الدموية الساقطية، يتغير تنظيم هذه الخلايا بالنسبة إلى خلايا الدم الحمراء.
ولذلك، كانت الخطوة الأولى للباحثين استخدام خصائص نفاذ الضوء المرتبطة بالأصباغ المستخدمة في الخلايا الأرومية المغذية خارج الزغابات وخلايا الدم الحمراء، داخل صور الأوعية الدموية للمشيمة، لتحديد كيفية توزع هذه الخلايا مكانياً.
ويشبه الأمر مقارنة نوعين من خليط المكسرات؛ فكلاهما يحتوي على المكونات نفسها، لكن بنسب مختلفة. ومن خلال النظر إلى الكمية النسبية لكل مكوّن، يمكن التمييز بين الخليطين. وبالمثل، يحلل النموذج التوزيع النسبي للخلايا الأرومية المغذية خارج الزغابات وخلايا الدم الحمراء داخل الوعاء الدموي، للتمييز بين الأوعية السليمة والمصابة.
وتحوّل الخوارزمية هذه الأنماط إلى درجة معيارية توضح مدى اعتيادية أو غرابة تنظيم الخلايا. وبدلًا من الاكتفاء بتصنيف الوعاء الدموي على أنه «مصاب» أو «سليم»، تتميز الخوارزمية بخطوة ثالثة وفريدة تحسب ما يسميه الباحثون درجة فصل الشكل النسيجي (Morphology Separation Score).
جعل تشخيصات الذكاء الاصطناعي قابلة للتفسير
تقارن هذه الدرجة التوزيع النسبي للخلايا الأرومية المغذية خارج الزغابات وخلايا الدم الحمراء داخل كل وعاء دموي. وتميل الأوعية السليمة إلى احتواء عدد أقل من الخلايا الأرومية المغذية خارج الزغابات مقارنة بخلايا الدم الحمراء، في حين تحتوي الأوعية المصابة على عدد أكبر من هذه الخلايا. وتؤدي هذه الاختلافات إلى فصل الأوعية في مجموعتين متميزتين.
وتُعد قدرة النموذج على تحديد وجود علامات المرض، إلى جانب تفسير السبب الذي دفعه إلى الوصول إلى هذه النتيجة، أمرًا بالغ الأهمية لتوظيف الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية.
وتكتسب قابلية التفسير (Explainability) أهمية خاصة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي الطبي؛ فبدل الاعتماد على تشخيص صادر عن «صندوق أسود» لا يمكن تفسير آلية عمله، يستطيع النموذج توجيه اختصاصيي علم الأمراض إلى اختلاف بيولوجي قابل للقياس.
وقال فيل لودوك، أستاذ الهندسة الميكانيكية: «نقدم نموذجًا للذكاء الاصطناعي يستند إلى أساس بيولوجي ذي صلة، ويمكنه المساعدة في تفسير التشخيص. وهذا مهم جدًا لبناء الثقة في عملية التشخيص».
وأضاف: «أعتقد أن نماذج من هذا النوع ستسهم مستقبلًا في تحسين حياة ليس فقط المرضى المصابين بتسمم الحمل، وإنما أيضًا المرضى المصابين بالسرطان والأمراض المرتبطة بالدماغ، حيث يمكن أن تكون المؤشرات الحيوية المختلفة علامات مبكرة على المرض».
وشدد جون كاغان، أستاذ الهندسة الميكانيكية، على أن «التدخل البشري لا يمكن الاستغناء عنه».
وأوضح أن نماذج الذكاء الاصطناعي «ستمكّن اختصاصيي علم الأمراض من تشخيص عدد أكبر من حالات تسمم الحمل على مدار اليوم، بما يساعد على جعل عملية اتخاذ القرارات السريرية أكثر كفاءة وإتاحة على نطاق أوسع».