علي عبد الرحمن
في فضاء سينمائي كوني، حيث انهارت الأساطير كقلاع رملية أمام موجات التشبع والفراغ، ينبثق فيلم «Thunderbolts» كصرخة صامتة في عتمة زمنٍ تكسر فيه المجاز وتتهشم الرموز. هذا الفيلم ليس مجرد حدث سردي جديد في عالم الأبطال الخارقين، بل هو نعي خافت لحلم البطولة الذي بات هشاً، ومرثية جمالية لمفاهيم انعدمت صلاحيتها الرمزية.
في هذا العالم السينمائي، لا تصعد البطولة إلى قمم المجد، بل تسقط كبقايا رماد يتطاير بفعل ريح الوجود المضطرب، ولا نواجه هنا أبطالاً يُعانقون الأفق، بل نسير وسط أشلاء ذوات محطمة، تجترّ جراحها التي لم تعد تحكي انتصارات، بل معارك يومية لا نصر فيها إلا على الذات، والبطولة كما يعلن الفيلم لم تعد فعل انتصار أو إنجاز، بل صيرورة مؤلمة للنجاة من عبثٍ مفرط.
في الفيلم، لا تتخذ البطولة شكل الصعود أو الانتصار، بل هي رحلة نزول نحو أعماق الذات المحطمة، والأبطال الذين عرفناهم ليسوا أكثر من أشباح تُسرق منهم البطولة، ويعاد تشكيلهم كناجين عالقين بين ماضٍ لا يُشفى وحاضر ينسى ذاته، حيث لا انتصار أخلاقي، بل تراكم الجراح التي تتحول إلى لغة بصرية ونفسية.
«Yelena» وتجسّد دورها البريطانية فلورنس بيو، ليست مجرد فتاة ساخرة، بل صورة مجازية لجروح الأمومة المكبوتة، تحميها الضحكات الساخرة كدرع هشّ. و«Bucky» ويجسّد دوره الروماني سيباستيان ستان، مجسّد الذاكرة التي لا تترك لك فرصة للتحرر، وهو ظل قاتل يلاحق الفاعل في داخله حتى في غياب الإرادة.
أما «Ghost» وتلعب دورها الإنجليزية هانا جون كامين، فهي لا كائن، جسد ينجرف في الفراغ بين المادة والعدم، كأنها تجسّد اللاوجود في عالم مترابط مادياً وروحياً. هذه الشخصيات ليست أبطالاً، بل رموزاً إنسانية متصدعة، تطرح السؤال: ماذا يبقى من البطولة حين تنهار الذوات، وتصبح المعارك مع النفس أعقد من المعارك مع الأعداء؟
الكاميرا مرآة الانكسار
الإخراج لا يركض خلف الحركة أو الفعل الخارجي، بل يسبر أعماق الألم والارتجاف النفسي، حيث تتحول الكاميرا إلى جسد يتنفس القلق، يراقب الأجساد التي تكافح ذاتها، وزوايا التصوير الضيقة واللقطات القريبة من الوجوه تُقرب المشاهد إلى فضاء الخوف، والتعب، والانهيار النفسي. الضوء ليس مكاشفاً بل خافتاً، يخفي ويُموّه كأنه يعكس الحقيقة الممزقة. الكاميرا تحكي لغة القبح، الذي يصبح أصدق معبّر عن الحقيقة النفسية للمواقف، إذ لا يوجد ما يجب تزيينه في هذا الفضاء، فقط وجود هشّ يتفتت.
تعمل موسيقى Henry Jackman كطبقة عاطفية تتغلغل في أعماق المشاهدين، ليست خلفية موسيقية فقط، بل سردٌ آخر لما هو مكبوت، والألحان تتحرك بتردد وحذر، كأنها تهمس بأسرار الضعف والعجز. أما الآلات الوترية ليست مجرد أصوات، بل جروح تتفتح مع كل نغمة، والإيقاعات تتكسر وتتلاشى كما تتفتت الهويات داخل الفيلم، لا تصعد الموسيقى إلى ذروة انتصار، بل تنحني في صمتٍ يتردد بين الألم والخوف، كما أنها صوت الفشل المحتوم، وصوت الغياب الذي يحاصر الشخصيات.
تحالف المُنهكين
أبطال «Thunderbolts» متحدون ليس بالقيم أو المبادئ، بل بالإرهاق النفسي والإعياء الوجودي، وكل شخصية تحمل سيرة استغلال وظل الخيانة والخذلان، وأعمق ما يربطهم هو الافتقار إلى الثقة، إذ تبدو العلاقات محكومة بريبةٍ دائمة. الضحك الذي يظهر بين الحين والآخر ليس إلا غطاءً هشاً على وجوه متعبة، ولحظات الصمت بين الثلاثي «Bucky» و«Red Guardian» تكشف مكنونات الفقد، حيث تُقال الكلمات بلا حروف، كلغة تفيض بالكبرياء المحطم والحنين المستحيل.
تبدو الشخصيات في «Thunderbolts» كأنها تجسيد لنظريات النفس المعاصرة، حيث الهوية ليست وحدة متماسكة، بل فسيفساء من الانكسارات والجروح التي لا تلتئم، والذاكرة هنا ليست مخزناً للماضي، بل ساحة معركة بين النزعات المتناقضة ومنها الرغبة في التحرر، والخوف من الانهيار.
هشاشة البطولة
في عالم مارفل السابق، كان البطل هو من يحقق النصر وينقذ الموقف، أما في «Thunderbolts»، يتراجع هذا التصور إلى صميم أعمق، والبطولة هنا هي القدرة على الاحتمال في وجه اللاجدوى، الإصرار على البقاء، والتمسك بخيط ضئيل من الذات رغم الانكسار. إنها بطولة مختلفة، ليست بطولة الحركات البهلوانية أو المعارك الكبرى، بل بطولة الصمود النفسي والوجودي.
يمكن قراءة «Thunderbolts» كمسرح مأساوي كوني، حيث الذات هي المسرحية الكبرى التي تُعرض أمامنا، والأبطال ليسوا سوى ممثلين في مسرح العبث، حيث تلتقي المأساة بالفلسفة، في هذه المسرحية لا توجد حكاية انتصار، بل سرد متقطع عن الانكسار والتجدد.
لا وجود للنهايات السعيدة
«Thunderbolts» يتجاوز حدود أفلام الأبطال الخارقين التقليدية، إذ لا يقدّم نموذجاً بطولياً كلاسيكياً، بل يعيد بناء البطولة في صورة معقدة مليئة بالتشظيات والتناقضات، كما أن الفيلم لا يحتفي بالقوة الخارقة، بل بالضعف الذي يكشف عمق الإنسانية. هذا التحول يُعد ثورة سردية، فقد باتت البطولة ليست مجازاً للنقاء والقوة، بل سرداً للشك والتردد، وهو ما يجعل الفيلم أكثر ارتباطاً بواقع النفس البشرية المعاصرة، حيث لا توجد نهايات سعيدة، بل جولات من التفاوض مع الذات.