السبت 21 فبراير 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

كيشلوفسكي.. مخرج جعل الصمت يتكلم

كيشلوفسكي.. مخرج جعل الصمت يتكلم
21 سبتمبر 2025 01:21

علي عبد الرحمن 

على حافة الضوء والظل، يقف رجل يراقب العالم من خلال عدسة صغيرة، تتقاطع في عينيه حكايات المدن التي غادرها طفلاً، والوجوه التي مرّت أمامه عابراً من دون أن ينسى ملامحها. إنه كشيشتوف كيشلوفسكي، المخرج الذي جعل الصمت يتكلم، واللحظة العابرة تتحول إلى ذاكرة أبدية، ولم تكن حياته خطاً مستقيماً، بل كانت مثل أحد أفلامه، مقاطع متفرقة تتصل بخيط خفي، أحداث لا تُفهم إلا بعد مرور الزمن، وشخصيات تعيش بين الحلم واليقظة. 
ولد كشيشتوف كيشلوفسكي في وارسو، في 27 يونيو 1941، ووقتها كانت المدينة تلملم أطرافها بعد أن مزقتها الحرب العالمية الثانية.
 التحق كيشلوفسكي بأكاديمية لودز للفنون السينمائية، وهي واحدة من أهم المدارس السينمائية في أوروبا الشرقية، حيث تلقى تعليمه على يد أساتذة تأثروا بالمدرسة الواقعية البولندية. 
غادر كيشلوفسكي أكاديمية لودز وفي يده كاميرا لا تشبه أداة تصوير بقدر ما تشبه بوصلة أخلاقية، في بولندا بحقبة السبعينيات، كان الفيلم الوثائقي ميداناً هشاً، تتنازع فيه عين المخرج الساعية إلى الحقيقة ويد الرقيب التي تحدد ما يمكن أن يُرى، وفي أعماله الأولى، مثل «العمال ‘71: لا شيء عنّا من دوننا»، لم يكن يبحث عن إبهار بصري، بل عن صدق يكشف ما يختبئ خلف الوجوه.
لم يكن انتقاله إلى السينما الروائية في أواخر السبعينيات مجرد خطوة مهنية، بل كان هجرة فكرية وفنية، فيلمه «الهواة» (1979)، بدا كسيرة ذاتية متخفية حول موظف يشتري كاميرا لتصوير ابنته حديثة الولادة، لكنه يجد نفسه يوثق كل ما حوله، ليكتشف أن كشف الحقيقة قد يربك الآخرين بقدر ما ينير لهم الطريق، وكان الفيلم تأملاً في العلاقة المعقدة بين المخرج والواقع.
ثم جاء فيلمه «مصادفة عمياء» (1981)، ليضع الصدفة في قلب البناء الدرامي.
بهذه الأعمال، كانت ملامح مدرسة كيشلوفسكي السينمائية تتضح في الصدفة كمحرك للسرد، اللقطات القريبة التي تسبق الفعل بالتعبير، المونتاج الذي يترك فراغات لخيال المشاهد، والإيقاع البطيء الذي يمنح المشهد أنفاسه، والروائي بالنسبة له لم يكن مهرباً من الرقابة فحسب، بل فضاءً موازياً يمكن للحقيقة أن تعيش فيه بلا خوف، تحت حماية الخيال.

لغة الصمت
في سينما كيشلوفسكي، الكاميرا ليست عدسة باردة، بل كائن حي يضع أذنه على قلب العالم، وحين تقترب عدسته من وجه، لا ترصد حدود الملامح بقدر ما تبحث عن الارتباك العابر في نظرة، أو الصمت العالق على الشفاه، وحين تبتعد تمنح المشاهد فسحة يتأمل فيها ما رآه، وكأنها تهمس له بأن الحكاية لا تُروى دفعة واحدة. 
كان يؤمن أن الصمت في السينما ليس فراغاً، بل مسرحاً داخلياً يتسع فيه المعنى، ولهذا كان يطيل الوقوف على وجوه شخصياته بلا كلمة.
حتى اللقطة القريبة كانت لديه فعلاً فلسفياً، وأفضل مثال على ذلك فيلمه الشهير «الحياة المزدوجة لفيرونيك» (1991)،  حيث التصقت الكاميرا بوجه البطلة حتى يشعر المشاهد وكأنه يلمس روحها ويقرأ مشاعرها العميقة، لا مجرد ملامحها فقط.

ذروة الإبداع
بلغ كشيشتوف كيشلوفسكي ذروة إبداعه مع ثلاثية الألوان (أزرق – 1993، أبيض – 1994، أحمر – 1994)، التي كانت قمة في التعبير البصري والفلسفي للإنسانية، واستلهم الثلاثية من ألوان العلم الفرنسي وشعارات الثورة: الحرية، المساواة، الأخوة، لكنه لم يقدمها كخطب سياسية، بل كحكايات حية تتسلّل إلى أعماق الروح.
رحل كيشلوفسكي في 13 مارس 1996 عن عمر يناهز 54 عاماً، تاركاً وراءه إرثاً سينمائياً خالداً امتد تأثيره بعيداً عن بولندا وأوروبا الشرقية. وتجاوزت أفلامه حدود اللغة والثقافة، لأنها لم تبحث عن الهوية القومية، بل عن الإنسان ذاته، ضعفه وقوته، صمته وكلماته، حبه وفقدانه، ولهذا بقيت أعماله تُدرَّس في مدارس السينما كأمثلة على كيف يمكن للفن أن يكون بسيطاً في الشكل، عميقاً في الجوهر.

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©