الأحد 11 يناير 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

د. عبدالله الغذامي يكتب: كلٌّ بعقله راضٍ

د. عبدالله الغذامي
10 يناير 2026 01:00

من الأمثال الشعبية قولهم (كلٌ بعقله راضٍ) وهذا مثل يصدر عن حكمة شعبية عجنتها التجارب، وترد العبارة لتخفف التذمر من اختلاف العقول والأذواق، وهو اختلاف يحرّك الشغب الاجتماعي بنقد الناس لبعضهم بعضاً، وعادةً تنتهي وصلة الشحن الاجتماعي بهذه الجملة، التي فيها شحنة استهزاء وشحنة استحقار برداءة عقول الآخرين. ولكنها فلسفياً جملةٌ صحيحة، وتصف حقيقة العقل البشري، ولنا في الفلاسفة عبرةٌ تكشف توافق الشعبي مع الفلسفي، فبرتراند راسل قال بحزم قاطع إن معظم مقولات هيجل الكبرى هي مقولات زائفة، وقبله وصف روسو غرور الفلاسفة أن الواحد منهم يرى خطأه أحقّ من صواب غيره، ولكني هنا لن أتردد عن شجب كلام راسل، رغم أني منذ صغري معجبٌ به عبر ما أقرأ له من ترجمات، وحين ابتُعثت إلى بريطانيا عام 1971 حرصت على الذهاب لمدينة كيمبريدج مع أن راسل قد مات قبل ذلك بسنة، ولكني كنت أتردد بين الطرقات الضيقة ما بين وسط المدينة والجامعة، وأتصور راسل يمشي ممسكاّ بعصاه عبر تلك الدرجات أو يعبر ذاك الزقاق، وكأني أسمع وقع خطوه، وحين تمكّنت من القراءة في الإنجليزية بادرت بقراءة كتابه (تاريخ الفلسفة الغربية)، وللكتاب مزية أنه يمنحك خريطة طريق، تجعلك على بيّنة من تحولات الفلسفة والفلاسفة، بأسلوبٍ سلس وفريد يشبه أسلوب طه حسين عربياّ من حيث السلاسة اللغوية واللطف، مما يكسر نمطية التعقيد الفلسفي، ثم دخلت في قراءات عبر كتبه وكتاباته، مع مزيد من الإعجاب بأسلوبه الإنجليزي الفريد، وطبعي وذائقتي دوماً يميلان إلى السلاسة الأسلوبية في العربية وفي الإنجليزية، ولكن ومع هذه المزية والتفرد لراسل، أجد مقولات هيجل أعمق وأقوى من راسل، رغم جلافة الترجمات الإنجليزية لهيجل. ومع مثلنا الشعبي هذا فإن القراءة في مقولات هيجل، تكشف لنا عمق الحكمة الشعبية فقد ميّز هيجل بين ثلاثة أنواع للعقل هي العقل الذاتي والعقل الجمعي والعقل المطلق (الروح)، ومع العقل الذاتي سنجد ما يوضح مقولة (كل ٌّ بعقله راضٍ)، فالعقل الفردي هو العقل التداولي، ونجده عند الفيلسوف وعند الأمي معاً، ولذا تحدث الاختلافات بين الفلاسفة، كما تحدث بين العوام وكل واحدٍ من هؤلاء وهؤلاء راضٍ بعقله وساخرٌ من عقل غيره. 
والعقل هنا هو عقولٌ بصيغ تتعدد بعدد البشر أنفسهم، وكل واحد منهم كينونةٌ معقدةٌ من التفضيلات والانحيازات، ومثلها حالات التذوق والميول والإعجابات، وكل واحد صحيحٌ في حاله، ولكن حدوث المقارنات هو الذي يحفّز التمييزات التي تحتد عادةّ حسب درجة الموضوع نفسه، فإن كان عقيدياً وصل إلى التكفير، وإن كان رياضياً وصل إلى المشاحنات، وإن كان سياسياً وصل إلى الحروب، ومثله هجائيات الشعراء وشتائميات وسائل التواصل الاجتماعي وقت أي خلاف في أي شأنٍ عام، ومع هذا كله فكلٌ بعقله راضٍ، ومع عقل غيره ساخطٌ، وتلك كانت حال راسل وهيجل رغم كونهما فيلسوفين مهمتهما العقل بالدرجة الأولى، ولو بُعث هيجل من مرقده لسخر من راسل بكل تأكيد.
كاتب ومفكر سعودي
أستاذ النقد والنظرية/ جامعة الملك سعود - الرياض

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©