كان اكتشاف الحواسيب في القرن الماضي بغرض حفظ البيانات وتخزينها، وكان الإنسان مخترع الحواسيب هو مَنْ يتحكّم بها، اليوم لم تَعُد الحواسيب كذلك، بل صارت هي من يقودنا ويحلّل ويتحكم، فنرتبط بها أكثر من كونها هي التي ترتبط بنا وتنتظر تدخلاتنا بتواطؤ مُعلَن ومُدرَك من قِبلنا، فقد صارت الحواسيب بعد تطور شرائحها الرقيقة جوالةً وسهلةً في الهاتف، وفي ساعة اليد، وفي اللوحات الرقمية المختلفة، ومعها صارت لنا مجتمعات رقمية ننتمي إليها في منصات مختلفة وعديدة، فقد انتقل نشاطنا الإنساني فعلياً إلى عالم الرقمنة وبكافة معاملاته ومظاهره، وحتى فلسفتنا وتفكيرنا بالأشياء اقترن أيضاً بالرقمي، والآن وكردّة فعل هناك من يميل إلى الطبيعي والحسّي، فالبعض صار يخرج من زخم المدن المشتبك مع الرقمي، بهدف الانقطاع عنها والتوجه نحو مظاهر الحياة الواقعية الكامنة في الصيد والتضاريس ومهارات الرياضية والتأمل، قاصداً التخفّف من سطوة الرقمي والعودة لماهية الوجود المحسوس، الذي لا يعزل العقل عن الجسد وعن كينونته الطبيعية، فالشاشات باتت من ضمن مملكة الأشياء التي تحدّد مآلات الإنسان ومصيره.
والسؤال هنا: هل العالم الرقمي مجهول أم مزيف أم مهجن افتراضياً؟ ذلك أنه يقبع بيننا وبين العالم المحسوس والواقعي، ويضعنا في زوبعة إدراكية غير مترابطة أحياناً أو منطقية، رغم أن شكل حواسيبنا وهواتفنا الذكية تشبه وإلى حدٍّ كبير المكتب بخشبه رفوفه ونوافذه وريشة الرسم الملونة، وحتى «الماوس»، الفأر الذي ندخله بين الملفات والروابط وتحديد الأوامر، يُحاكي ذلك الواقع برمته، فصارت واجهاتنا الرقمية رسوماً متحركة تشي بالطبيعي وتتمثله، وكأننا بذلك ندخل الكهف الذي وصفه أفلاطون في كتابه المشهور بـ«الجمهورية».
فقد بتنا غير قادرين على التمييز بين الافتراضي والواقعي بسبب كمِّ التداخلات والتشابهات بينهما، فنخرج من حياة إلى أخرى بتواتر وخيال غير منفصل، ففي العالم الافتراضي نحلم بتحكم، وفي الواقعي نحلم دون سيطرة، ما يجعل تلك الرسوم والبيانات التي ندخلها ونشاركها شريكة عملياً ومسيطرة علينا بشكل غير موضوعي، حتى وإن جعلنا منها واقعاً شبيهاً بسبب الممارسات والتفاعلات اليومية مع إجراءات الرقمنة التي أنهت الرتابة اليومية والتعقيدات الطبيعية وحلّت مكانها وجعلت أحلام اليقظة في مواجهة مع الخيال العلمي واستحالاته، وهو ما جعل سقف التوقعات لدينا منخفضاً، لكن ماذا سيحدث لو تعطلت الرقمنة ومرضت؟ فهل سنعود إلى العدم مثلا؟! وهل بمقدورنا العودة بسهولة لواقعنا المادي، أم أننا سننسى شيئاً ما داخل الرقميات ونصبح فاقدين؟
لقد لعبت الرقمنة في حدود خيالنا وفي نمط تفكيرنا وفي رسم علاقاتنا مع الآخرين، ومسّت بذلك كينونتنا ووجودنا ونظرتنا للجمال نفسه، ثمّة تعقيدات ظاهرة إذاً وهي بحاجة إلى الفلسفة التي لطالما ساعدتنا في ابتكار مفاهيم ومصطلحات راهنة ستمحو الغمامة عن تعقيد هذه العلاقة، رغم إقرارنا بوجودها وبوجود حياة ثانية نعيشها بتفاعل، بعيداً أو قريباً من واقعنا المحسوس على نحو غير مستتر.
*أستاذ بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية