ظلّت الكتابة فعلاً إنسانية ومسؤولية؛ كونها تعاين سياقاتٍ إنسانية تحاول مجابهة الآخر وتقاربه في ظل محيط ومعطيات ذلك المحيط، فترسمه في إطار نصيٍّ ملموس يوازي العالم الواقعي، سواء بتسجيله أو بمحايثته، بهدف تشكيل عالم مثالي يقارع تلك الواقعية وثقلها، فالكتابة أسلوب له روحه ومنظوره الدلائلي برسومه وحروفه وعلاماته، وهي بذلك خوض ومكابدة خاصة تحاول التقاط صياغة جديدة للواقع ولشروطه الذاتية والموضوعية، فالكتابة وليست اللغة ممارسة فوق الطبيعي وفوق العادي والظاهراتي، وهي بذاك تحسّس ذاتي خالص يتبع لحرية الكاتب وتصوراته ومرجعياته الفكرية في تشكيل جسد الكتابة كما يراه رولان بات، بمعنى أنها عملية لا مباشرة، وربما غير حقيقة، في حال كانت تلك الكتابة أدباً، ذلك لأنها ستراوغ القارئ أكثر مما تجعله يشعر بالطمأنينة والحقيقة، فالكتابة في تصوّر بعض النقاد ذعر وبوح غير مكتمل الأركان.
غير أنها باتت وفي زمن الإبداع الرقمي عملية غير محفوفة بما تم ذكره مسبقاً، وباتت مجرد فكرة وضغطة زر دون ذلك العناء، فالكتابة سحر وهسهسة كما يراها بارت، إذ لا يمكن القول إنها مكتملة في حال وُجد من ينوب عن صياغة الكاتب وأسلوبه ومنظوره وروحه، فالذكاء الاصطناعي يفعل في جسد الكتابة ما تفعله عمليات التجميل والليزر، وفي أحيان تقوم منصات الذكاء الاصطناعي باختطاف السياق وتحويله وتقويل الكاتب قبل النص ما لا يريد أن يقوله في نصّه المكتوب، فقد لاحظنا كيف انفجر الإبداع اليوم وتخطّى جهاز الكتابة وغدت معه مهنة الكاتب مهنة غير معتبرة، بعد أن كانت الكتابة استجابة واستنكار ووعي، غير أنها باتت وبفضل تلك المنصات تدار دون زمن للكتابة يحفظ سرّها ويحدّد شروط تأويلها.
الكتابة الصناعية اليوم مخاطرة ستصيب كبد الوعي والفكر والبيئة، ذلك ما لم تصدر عن ذاتية تملك معرفة وعلم وإدراك يعرف متى تستدرك ويستشرف ويستقرئ، فالذكاء الاصطناعي لا يقرأ ما يكتب، بل يكتب ما هو مكتوب، كما أنه لا يقدم انفعالاً أو حتى يبني خطابه على تراكم معرفي سابق ومسؤول، فلم يكتب الذكاء الاصطناعي في حال كان من يستعين به لم يقرأ ما قبل النص المكتوب ولم يخفِ ما يريد إخفاءه أو التلميح إليه، فالآلة تيه وليست شريكا للكاتب، ما لم يسمع صرير حروفه ويرى تدفق أفكاره على صفحة ورقته البيضاء، فله أن يكون مصدراً أو معيناً وليس ذاتاً تخدع حتى من يتوسّلها.
*أستاذ بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية