الأحد 12 ابريل 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

د. نزار قبيلات يكتب: وظيفة الشاعر

د. نزار قبيلات
15 فبراير 2026 01:10

في ندوة عُقدت لصالح أعمال مهرجان أبوظبي للشعر لهذا العام، وبتنظيم من دائرة الثقافة والسياحة- أبوظبي، سعدت إذ كنت في تلك الندوة برفقة أديبين إماراتيين شابين هما مريم الزرعوني وعلي الشعالي، في ندوة حملت عنوان «وظيفة الشاعر»، فرغم التحفظ المبدئي على أن يكون للشاعر وظيفة يعتاش منها غير أن هذا العنوان المثير والملتبس مكننا من فتح آفاق تحاور ونقاش وتمحيص لجل القضايا الشائكة التي تحيط بشخص الشاعر وبمكانته ووظيفته وقبلاً في السياقات التي قادت إلى بروز الشاعر وتبوّئه تلك المكانة في المجتمع العربي إلى اليوم.
فالشاعر منصب ومكانة مرموقة في الكيان القبلي – أي القبيلة العربية- وحتى في الكيان المؤسساتي -قصر الخلافة- لاحقاً، حتى قيل شاعر البلاط، وهو ما يؤكد ابتداءً أن للشاعر مؤهلاتٍ ودوراً فاعلاً ومركزياً في بيئته لا يقلُّ عن دور الفارس أو القاضي أو القائد...، فالشعر كما يقول الشعراء مَسٌّ من الشيطان أو الجن، لكنه في عرف النقاد اللغويين والبلاغيين صناعة ومجاز، وكذلك قدرة خاصة على صناعة عالم مجاور للعالم الواقعي لكن بواسطة اللغة، فلطالما أظهر العديد من الشعراء علاقتهم بالسحر وبقدرتهم على استحضار الأساطير وسواها، غير أن هذا شأنٌ ذاتي للشاعر، إذ للشاعر مسؤولية ودور يُؤديه كما ذكرنا؛ فهو حارس لسمعة القبيلة أو الدولة وهو كذلك الأمر بمثابة المدعي العام -إن جاز التعبير- وهو أحد أهم المدافعين عن الحمى، بيد أن هذا كله لم يساعد في الذود والدفاع عن سمعة بعض الشعراء الذين اتهموا لأسباب مختلفة وفي حقبة من الحقب بالتكسب والمجاملة والرياء، غير أن إبداع بعض هؤلاء الشعراء هو ما غفر لهم تلك الخطيئة بل وبررها في أحايين كثيرة، فالشعر عدا عن كونه غموضاً إلا أنه صوغٌ لغوي قادر على إدماج المتناقضات في حَبك واحد وجعلها مظهراً من مظاهر الجمال الرفيع، فهذه المقدرة العجيبة جعلت للشعر أثراً كما للسحر، وتأثيراً يقارب الشعر من فن الموسيقى ذلك لكونه ينفذ إلى القلوب ويحرك الوجدان حتى في معاينته للآلام والشكوى والفقد.
في تلك الندوة قدم الأديبان الرائعان إضاءات مهمة حول تلميح الشعر وملموسية الرواية، وعن التّلبس الذي أصابهما في منبر الشعر وفي حضرة الرواية، وعن الشعر بموسيقاه وبحوره ومنثوره وقصيده، الندوة كانت بمثابة اشتباك معرفي غني أجاد فيه كل من الزرعوني والشعالي مسألة الحفر حول هوية الأديب شاعراً كان أم روائياً وعن كنه الشاعر وعن مراياه المقعرة العديدة التي تشبه مرآتنا المستوية.
أستاذ بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©